اسماعيل بن محمد القونوي

252

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

العلم وغيره قال المص في سورة الزخرف ( وأنهم كانوا يعبدون اللّه والأوثان ) انتهى وهنا قال وكان من آبائهم من عبد اللّه تعالى فبين القولين نوع تنافر فإن من عبد اللّه هو آباؤهم على ما فهم هنا وأنفسهم على ما فهم من كلامه في سورة الزخرف والتوفيق هو أن عبادة اللّه تعالى مع عبادة غيره كلا عبادة فمن عبده مع عبادة غيره كأنه عبد غيره ولم يعبده تعالى كذا صرح في قوله تعالى : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] الآية وكلامه هنا مبني على ذلك وكلامه في سورة الزخرف بناء على ظاهر عبادته تعالى وكون الاستثناء متصلا بني هنا على أنهم ليسوا عابدين له حقيقة وجعل الضمير لكل معبود سواء كان معبودهم أو معبود آبائهم على طريق الاستخدام إذ لا يقتصر الإرادة على الأصنام بقرينة الاستثناء لأن الأصل فيه الاتصال وأما الانقطاع فمجاز كما في التوضيح وبني في سورة الزخرف كونه متصلا على أنهم عابدون له تعالى أيضا بحسب الظاهر ولو لم يكن معتدا به فاندفع بذلك التوفيق اضطراب العلماء « 1 » هنا كما لا يخفى . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 78 ] الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) قوله : ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) صيغة المضارع هنا لأن الهداية « 2 » مستقبل بالنسبة إلى الخلق . قوله : ( لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد كما قال وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 3 ] ) لأنه يهدي كل مخلوق سواء كان من ذوي العلم أو لا لما خلق له طبعا أو اختيارا الأول في الحيوان وهو ظاهر والثاني في النباتات فإنها تتوصل إلى كماله بالتغذية طبعا لا اختيارا وتمام التفصيل في قوله تعالى : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 3 ] حمل الهداية على المعنى اللغوي وهو التعريف كيف يرتفق بما أعطاه اللّه تعالى إياه وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا قال المص في قوله تعالى : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 3 ] فوجهه إلى أفعاله طبعا أو اختيارا بخلق الميول والإلهامات ونصب الدلائل وإنزال الآيات « 3 » لأن المقام مقام استدلال على أن العبادة بالحق مختصة باللّه تعالى لأنه هاد ومعرف كل مخلوق لما خلق له والجماد بمعزل عن ذلك مع أنه شامل للهداية في أمر الدين لكن قوله والمعاد ليس بعام لكل مخلوق بل هو مختص بذوي العقول إذ الحكم بشيء على كل إفراد لا يستلزم الحكم على كل فرد فرد منه ولو سلم فالعقل يخصصه .

--> ( 1 ) حيث قال ابن كمال لا حاجة إلى هذا لأنهم أيضا يعبدون اللّه تعالى إلا أنهم يشركون الأصنام في العبادة دل على ذلك قوله : إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ وأجاب الفاضل المحشي بأن قولهم في جواب إبراهيم عليه السّلام نعبد أصناما دون أن يقولوا نعبد اللّه وأصناما يدل على أن عبادتهم مقتصرة على الأصنام إلى آخر ما قاله واندفاع الاضطراب ظاهر مما قررناه فليتأمل . ( 2 ) واختيار الجملة الاسمية للدلالة على الدوام ولذا قال هداية مدرجة ولو قيل خلقني فيهدين لا يفيد ذلك . ( 3 ) علة لقوله حمل الهداية الخ .