اسماعيل بن محمد القونوي
182
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فأكرمك زرني أكرمك بالجزم ولهذا يعطف المجزوم على المنصوب بعد الفاء نحو فاصدق وأكن من الصالحين وحاصل كلامه إن ظلت معطوف على المضارع الذي لو استعمل ببدله الماضي لكان صحيحا كما أن أكن معطوف على أصدق على أنه لو قيل أصدق مجزوما لكان صحيحا وهذا مراده من التشبيه لا الجزم والنصب كما هو المتبادر منه وإلى ذلك أشار بقوله لأنه لو قيل أنزلنا بدله أي بدل ننزل لصح فيصح عطف الماضي عليه وإنما تمحل في هذا العطف مع أن عطف الماضي على المضارع صحيح لأن ترتب الماضي بالفاء التعقيبية أو السببية غير معقول بل المعقول عكسه فلا بد من تأويل أحد الفعلين فأشار إلى تأويل ننزل بأنزلنا فالتقدير إن نشأ أنزلنا على أن المراد بالماضي معناه لا المستقبل كقوله تعالى : إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [ المائدة : 116 ] ويؤيده قراءة لو شئنا لأنزلنا وأيضا يؤيده أن الواقع في نظائرها كلمة أو مثل قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [ الأنعام : 35 ] ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها وغيرهما والمشهور في مثله إيراد كان ونحوه إذ كلمة أن للاستقبال فلو أريد الماضي أقحم كلمة كان كقوله تعالى : إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [ المائدة : 116 ] الآية فالأولى تقدير كلمة كان والمعنى إن كنا نشأ ولو أول ظلت بالمضارع وقد قرىء به كما في الكشاف لاندفع الإشكال أيضا لكن المناسب هنا المعنى المضي فلذا اختار في النظم المعنى المضي فأول المضارع بالماضي وقيل إن نظر إلى زمان الحكم كان الجواب مستقبلا فيأول ظلت بتظل كما قرىء به وإن نظر إلى زمان الحكاية يأول ننزل بأنزلنا كما قرىء به وهو الذي اختاره الشيخان انتهى ولو قيل إنه وإن كان الجواب مستقبلا بالنظر إلى زمان الحكم لكنه ماض بالنظر إلى زمان الحكاية واختير زمان الحكاية للإشارة إلى أن نزول تلك الآيات لقوة سلطانه ترتب ما ذكر عليه كأنه كان واقعا قبلها لم يبعد . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 5 ] وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) قوله : ( موعظة أو طائفة من القرآن ) موعظة أسقط من للإشارة إلى أنها صلة إن أريد بالذكر الموعظة قوله أو طائفة من القرآن تنبيه على أن من تبعيضية إن أريد به القرآن قدم الأول إذ سبب الإعراض الوعظ لا إتيان القرآن بدون وعظ فهو المراد به أيضا والتقابل بعموم الأول إلى السنة أيضا لأنها « 1 » من الرحمن أيضا . قوله : ( بوحيه إلى نبيه ) بوحيه متعلق بيأتيهم فلو ذكره قبل قوله من الرحمن لكان أبعد من الاشتباه وإيثار الرحمن هنا أوقع لأن فيه إشارة إلى أنه رحمة جسيمة وقد كانوا محرومين عن الانتفاع بها لانهماكهم على التقليد وإصرارهم على الكفر العنيد . قوله : ( مجدد إنزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير ) مجدد إنزاله أول به لأن إنزال كل ذكر محدث قوله لتكرير التذكير علة للتجديد إذ تكريره مما يتأثر به القلوب ويندفع به
--> ( 1 ) لأنه عليه السّلام ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى غايته أنه وحي غير متلو .