اسماعيل بن محمد القونوي

18

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( ليحفظها فإنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب ) ليحفظها إشارة إلى دفع إشكال بأنه كيف قيل اكتتبها فهي تملى عليه وإنما يقال أملئت عليه فهو يكتبها فأشار إلى الجواب بأن المراد « 1 » بالإملاء الإلقاء عليه للحفظ بعد الكتابة استعارة لا الإلقاء للكتابة لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب ثم علله بأنه أمي لا يقدر الخ فلذا تملى عليه بعد الكتابة أي تقرأ عليه . قوله : ( أو ليكتب ) فحينئذ يكون الكلام على ظاهره حيث يكون الإلقاء للكتابة هذا إذا كان معنى اكتتبها استكتبها أي طلب الكتابة فهي تملى أي تقرأ عليه ليكتب ولهذا الإشكال جواب آخر وهو كون المعنى أراد كتابتها فهي تملى الخ كما في الكشاف تركه لأنه في المآل معنى استكتبها فلا فرق بين المعنيين على أنه مجاز فلا يصار إليه حيث أمكن الحقيقة . قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 6 ] قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) قوله : ( في السماوات ) حال من السر والمعنى يعلم الأسرار كلها إذ السماوات والأرض عبارة عن جميع العالم . قوله : ( لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه إخبارا عن مغيبات مستقبلة ) لأنه أعجزكم الخ علة لكون الذي يعلم الأسرار منزلا للقرآن لكن هذا غير مستفاد من النظم هنا فهو بيان للواقع وتمهيد لقوله وتضمن إخبارا الخ فإن كون القرآن متضمنا للأسرار يدل على كونه منزلا من عند عالم الأسرار والخفيات وهو خالق الكائنات قوله عن آخركم صفة مصدر محذوف أي عجزا متباعدهم عن آخرهم بتضمين معنى التباعد وتجاوزا لعجز آخرهم وبلوغه غيرهم يوجب عموم العجز لهم فيكون كناية عنه وللمبالغة اختير الكناية وقد مر التفصيل في أوائل البقرة في قوله : لما عجزوا عن آخرهم ولما كان الإعجاز دالا على العجز قدرنا المصدر المحذوف عجزا إذ لا معنى لتجاوز الإعجاز متباعدا عن آخرهم إلا باعتبار ملاحظة العجز قوله بفصاحته أي ببلاغته إشارة إلى أن منشأ إعجاز القرآن هو كونه قوله : ليحفظها فإنه أمي هذا إشارة إلى أن تملي هنا مجاز مستعار لأن حقيقة الإملاء القاء الكلام إلى الكاتب ليكتبه والملقى إليه هنا هو الرسول عليه الصلاة والسّلام وهو أمي لا يكتب فوجب المصير إلى المجاز المستعار تشبيها لإلقاء الكلام إلى الأمي ليحفظه بالقائه إلى الكاتب ليكتبه فقوله رحمه اللّه فإنه أمي إشارة إلى قرينة المجاز وقوله أو لتكتب على صيغة المبني للمفعول مسندا إلى الأساطير عطف على ليحفظها وهذا إشارة إلى جواز حمل الإملاء على حقيقته والمعنى وهي تملي عليه ليكتب له أي ليكتبها كاتب له .

--> ( 1 ) والإملاء والإملال بمعنى واحد وهو حمل الكاتب على الكتابة بإلقائه ما يكتبه ثم استعير هنا لإلقائه للحفظ وقد يستعمل الإملاء بمعنى الكتابة ولذا قيل الملة لأنها مما يملى ويكتب كما صرح به الفاضل الخيالي لكن المراد هنا الالقاء للكتابة أو للحفظ بقرينة اكتتبها .