اسماعيل بن محمد القونوي

15

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

هذا رد اللّه تعالى بأبلغ رد فقال : فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [ الفرقان : 4 ] وأصل الإفك الصرف سمي الكذب به لأنه مصروف عن وجهه أي عن وجهه اللائق بجنس القول وهو الصدق فإنه وجه أي طريق حق لجنس القول فمرجع ضمير وجهه كذب لكن لا بخصوصه بل باعتبار ما يتضمنه وهو جنس القول أو لأنه مصروف عن وجهه اللائق بنفس ذلك القول الكاذب وهو كون متعلقه كذلك في الواقع فهو من قبيل نقل العام إلى الخاص أو مجاز والعلاقة الإطلاق والتقييد والمراد به ما أفك به على اللّه تعالى بأنه تعالى نزله مع أنه من تلقاء نفسه وحاصله أن القرآن ما كذب به أي افترى به على اللّه تعالى فلا يقال إن حمل الإفك على القرآن للمبالغة لما عرفت أن المراد ما أفك به ولهذا وصف بالافتراء ومعنى أو افتراه افترى به لما عرفت أن الإفك ما أفك به فالقرآن على زعمهم الباطل مفترى به لا أن نفسه مفترى والمفترى عليه هو اللّه تعالى . قوله : ( أي اليهود فإنهم يلقون إليه إخبار الأمم وهو يعبر عنه بعبارته وقيل حبر ويسار وعداس ) أي اليهود أي أحبارهم بقرينة قوله فإنهم يلقون الخ فالمراد بعضهم وإسناده إلى الكل لكونهم راضين له أو لكونه فيما بينهم لكن هذا مخصوص بإخبار الأمم الخالية مع أن كلامهم على إطلاقه أن القرآن إفك بأسره وما ذكره لا يلائمه إلا أن يقال إن الإعانة إنما يتحقق بذلك فإن الكل إذا كان من إلقاء اليهود لا يظهر معنى الإعانة ولا يخفى أن قولهم إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ لا يلائم قولهم وأعانه عليه قوم آخرون لأن الافتراء فسره المص بالاختلاق وهو مختص بما هو من تلقاء نفسه قوله وقيل حبر أي حبر الرومي غلام عامر بن الحضرمي ويسار قال في سورة النمل وقيل حبر ويسار كانا يصنعان السيف بمكة ويقرآن التورية والإنجيل وكان الرسول يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه انتهى . كان هذا منشأ هذا القول الباطل ولم يذكر عداس فيما مضى . قوله : ( وقد سبق في قوله إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ النحل : 103 ] الآية ) وحاصل كلامه هناك أن ما يسمعه عليه السّلام منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم والقرآن تفهمون بأدنى تأمل فكيف يكون ما تلقفه منه وأيضا هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه ولكن لم يتلقف منه اللفظ لأن ذاك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة فكيف تعلم جميع ذلك من غلام سوقي سمع منه بعض أوقات مروره عليه كلمات أعجمية لعلهما لم يعرفا معناها . قوله : وهو يعبر عنه بعبارته أي يعبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عما يلقى إليه من إخبار الأمم بعبارته يعني قالوا إن هذا القرآن إلا إفك ليس كلام اللّه بل هو إخبار الأمم الماضية ألقاها اليهود إليه وهو يعبر عن تلك الأخبار بعبارته من غير نقل منهم ويلقيها إلى الناس ويقول هو كلام اللّه تعالى وهذا من غاية جحودهم أنه رسول من اللّه تعالى وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ .