اسماعيل بن محمد القونوي

11

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تصويره ولما كان ذلك التصوير بالإرادة دون الإيجاب قال حسب إرادته . قوله : ( كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور « 1 » وأشكال معينة ) كخلقه الإنسان أي إيجاد نوع الإنسان من مواد مخصوصة وهي عناصر وأغذية وأخلاط ونطف ومضغ مخلقة وغير مخلقة وهذا ما ذكره المص في تفسير قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً [ البقرة : 28 ] الآية فالأولى إسقاط قوله عناصر ثم هذا في غير آدم عليه السّلام فجمع المواد باعتبار كل فرد سوى آدم عليه السّلام ولو أريد بها النطف فجمع المواد باعتبار الأنواع من قبيل انقسام الآحاد إلى الآحاد وكذا الكلام في صور وأشكال عطف تفسير لها . قوله : ( فقدره وهيأه « 2 » لما أراد منه من الخصائص والأفعال كتهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك ) وهيأه إشارة إلى دفع إشكال التكرار فإن التقدير المعتبر في الخلق التسوية والتصوير والتقدير المذكور بعده بمعنى التهيئة للخصائص فلا تكرار . قوله : ( أو فقدره للبقاء إلى أجل مسمى ) أي إلى آخر مدة مثبت معين لا يقبل التغير فعدم التكرار حينئذ ظاهر إذ التقدير للبقاء غير التقدير بمعنى التصوير المعتبر في الخلق والتقدير للبقاء بمعنى القضاء والحكم وهذا معنى للتقدير عند بعضهم . قوله : فقدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال وهذا التقدير هو التقدير اللاحق للخلق المتأخر عنه بقرينة الفاء التعقيبية في قدره بمعنى هيأه لما أريد منه وأما التقدير الذي هو مرعى في مفهوم الخلق فهو التقدير السابق على الخلق الواقع حسب إرادة الخالق وهو بمعنى التسوية لا التهيئة وأشار إليه رحمه اللّه بقوله كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة أي كخلقه من مواد قد خصها به في علمه القديم ومن صور وأشكال عينها له فيه وعلى هذا كلام صاحب الكشاف أيضا حيث قال المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية فقدره وهيأه لما يصلح له مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوي الذي تراه فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة مطابقا لما قدر له غير متجاف عنه وفي الأساس خلق الحزار الأديم والخياط الثوب قدره قبل القطع وقدر الشيء بالشيء قاسه عليه وجعله على مقداره ومن المجاز خلق اللّه الخلق أوجده على تقدير أوجبته الحكمة ويجوز أن يكون المراد بقوله عز من قائل : خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً أراد خلق كل شيء فقدره تقديرا فحينئذ يكون المراد من التقدير في فقدره التقدير السابق المراعى في الخلق كما سيذكر بعيد هذا من قول الزجاج فيكون الفاء في فقدره للتعقيب مع الترتيب لأن التقدير مرتب على الإرادة ومعقب لها .

--> ( 1 ) وصور كقوله زججت الحواجب والعيونا أي وصوره بصور وأشكال ولو أريد بها الصورة الجزئية وجوز تركب الجوهر من الجوهر والعرض القائم بذلك الجزء الجوهري لا يحتاج إلى التمحل . ( 2 ) أي أعطاه القوة والإمكان الاستعدادي لذلك .