اسماعيل بن محمد القونوي

8

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

السكر إنما يراه كل أحد على غيره ) أي تأنيث ترى على تقدير إسناده إلى الناس لتأويله بالجماعة وإفراده أي لفظ ترى بعد جمعه في يَوْمَ تَرَوْنَها [ الحج : 2 ] لأن الزلزلة يراها الجميع ولذا جمع تنبيها على ذلك وأثر السكر ولو تشبيها يراه كل أحد على غيره فأفرد تنبيها على أن الخطاب عام على سبيل البدل ولولا جعل الخطاب له عليه السّلام خاصة لكان وجه الإفراد اظهر ( وقرأ حمزة والكسائي سكرى كعطشى ) . قوله : ( إجراء للسكر مجرى العلل ) أي أن الصفة كون جمعها على فعلى مخصوص بالآفات والأمراض كمرضى وجرحى والسكر ليس منها لكنه أجري مجرى العلل لما فيه من تعطيل العقل والقوى لكن هذا في السكر الحقيقي إلا أن يقال وحالهم في تعطيل القوى والمشاعر أقوى من السكران الحقيقي . قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 3 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ( 3 ) قوله : ( نزلت في النضر بن الحارث وكان جدلا يقول الملائكة بنات اللّه والقرآن أساطير الأولين ولا نبعث بعد الموت ) وكان جدلا أي شديد الجدال والخصومة ولا بعث بعد الموت وبهذا يعلم ارتباطه بما قبله . قيل الرؤية في الآيتين بمعنى العلم فما معنى تعليل إفراده بعد جمعه بالرؤية بمعنى الإحساس بحاسة البصر حيث قال وأثر السكر إنما يراه كل أحد على غيره قلنا لما كان الإحساس بالبصر مأخذا للعلم بذلك علله به وحمل الرؤية في قوله إنما يراه كل أحد على غيره على العلم يأباه كلمة إنما المفيدة لتخصيص الرؤية بكونها على غيره لأن الرؤية حينئذ يكون من الوجدانيات والرائي إذا رآه على غيره فبالحري أن يراه ما في نفسه . قوله : وقرأ حمزة والكسائي سكرى كعطشى إجراء للسكر مجرى العلل فإن الجمع على فعلى إنما يكون فيما في معناه علة وآفة مثل قتلى وجرحى ومرضى وأسرى في جمع قتيل وجريح ومريض وأسير قال ابن جني وأما سكارى بضم السين فظاهره أن يكون اسما مفردا غير مكسر كجمادى وسماني وسلامي ويجوز أن يكون مكسرا مما جاء على فعال كالطوار والفراق والرخال إلا أنه أنث فعال وأما سكرى كصرعى وجوعى إلا أن السكر علة لخفة عقولهم كما أن الصرع والجوع علة لخفة أجسامهم وفعلى في التكسير مما يختص به المبتلون وقال روينا عن أبي زرعة أنه قرأهما بضم السين والكاف ساكنة وهو اسم مفرد على فعلى كالحبلى والبشرى بهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عن هذا إلى هنا كلامه قال صاحب الكشاف والمعنى وتراهم سكارى على التشبيه وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] على التحقيق ولكن ما رهقهم من عذاب اللّه هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه وقيل : تريهم سكارى من الخوف وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] من الشراب الوجه الأول من توجيهي السكر مبنى على التشبيه البليغ والثاني على الاستعارة قال صاحب الانتصاف ومن علامات المجاز صحة سلبه كما إذا قلت للبليد حمار يصح نفيه وكذا ههنا نفي السكر الحقيقي بقوله : وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] مؤكدا بالباء لأن هذا السكر أمر لم يعهد يمثله والاستدراك بقوله : وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 2 ] تعليل لإثبات السكر المجازي .