اسماعيل بن محمد القونوي
65
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الإخبات نزول الخبت وهو المكان المنخفض وهذا معنى الخاشعين إذ الخشوع هو الإخبات ويعم الخاضعين وتفسيره بالمخلصين بكسر اللام أو بفتحها لكونه لازما له ولا يخفى حسن الختام بالمخبتين ويسمى تشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه في المعنى وهنا كذلك لكن بعد التأمل لخفائه فإن الظاهر الختم بقوله وبشر الحاجين لكن بعد التأمل حسن ما ذكر لأن أفعال الحج من نزع الثياب والتجرد عن المخيط وكشف الرأس والتردد في تلك المواضع المغبرة المحجرة والتلبس بأفعال شاقة والاغتراب عن الوطن والأحبة يوزن بالتواضع المحض والانقياد المفرط وهو معنى الإخبات فهو كقوله تعالى : وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] حيث لم يقل فإنك أنت الغفور الرحيم كما هو الظاهر وقد بين سره « 1 » في المطول وذكر الوجل والصبر وذكر اللّه ملائم للحاج وفيه مراعاة النظير وهو جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد . قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 35 ] الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 35 ) قوله : ( هيبة منه لإشراق أشعة جلاله عليها ) هيبة منه إذ الوجل الخوف وإسناده إلى القلب مجاز لكونه محله قوله أشعة جلاله إشارة إلى أن ذلك الخوف خوف إجلال كما أن خوف الحاجين كذلك . قوله : ( وَالصَّابِرِينَ ) عطف على الذين والتغيير حيث لم يجئ وصبروا وأقاموا الصلاة لإفادة الدوام والثبات . قوله : ( من الكلف والمصائب ) أي التكاليف الشاقة كما صبر الحجاج عليها ( في أوقاتها وقرىء المقيمين الصلاة على الأصل ) . المذكورين فقوله المخبتين وضع للظاهر موضع ضمير الغائب الراجع إلى المخاطبين بأسلموا فإن مقتضى الظاهر أن يقال وبشرهم أي بشر يا محمد الذين أسلموا أي استسلموا وانقادوا أو أخلصوا التقرب أو الذكر عن إشراك الغير به تعالى فعبروا بالمخبتين لأن الإخبات صفتهم المستوجبة للسعادة الأبدية الحقيقية بأن يبشر بها وقرىء المقيمين الصلاة على الأصل وهي قراءة ابن مسعود وقرأ الحسن والمقيمي الصلاة بحذف النون ونصب الصلاة على أن النون مقدرة حذفت للتخفيف كما حذفت من الذين في قوله : فإن الذي حانت بفلج دماءهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد لوزن الشعر قال الزجاج المقيمي الصلاة القراءة بالخفض وإسقاط النون على الإضافة ويجوز المقيمين الصلاة إلا أنه خلاف المصحف قيل هو مثل قوله الآمرون الخير والفاعلونه .
--> ( 1 ) حيث قال لكن يعرف بعد التأمل أن الواجب هو العزيز الحكيم لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه .