اسماعيل بن محمد القونوي
417
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فينحدر نطفتها إلى رحمها فعلم منه أن عيسى عليه السّلام خلق من نطفة أمه وهذا مخالف لقولهم خلق عيسى من غير نطفة قال الإمام وأيضا نرى أن كثيرا من الحيوانات يتولد لا عن النطفة انتهى كالدود والحاصل في الأثمار والدجاجة من البيض والظاهر من كلامه أنه لا يحتاج في الاحتمال الأول إلى القول بتنزيل الغالب منزلة الكل . قوله : ( وقيل من ماء متعلق بدابة وليس صلة لخلق ) فلا إشكال أصلا لكن المص مرضه لأن مقام الاستدلال على كمال القدرة يقتضي تعلقه بخلق قال السعدي وأنت خبير بأن المعنى حينئذ أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة له تعالى ومآله يرجع إلى تعلقه بخلق فهذا أحسن الوجوه لخلوه عن التكلف ولم يتعرض القول بأن أصل جميع المخلوقات الماء على ما روي أول ما خلق اللّه تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهوى والنور ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه لأن فيه ضعفا لما روي أن أول ما خلق اللّه تعالى نوري وفي رواية أول ما خلق اللّه القلم وفي رواية أول ما خلق اللّه العقل كذا في المواقف وشرحه وهذه الروايات وإن أمكن جمعها لكن لا يمكن الجمع بينها وبين ما روي أول ما خلق اللّه تعالى جوهرة الخ . قوله : ( كالحية وإنما سمي الزحف مشيا على الاستعارة ) أي التبعية سمي الزحف بعد تشبيهه بالمشي في سببية الحركة في الأرض وقطع المسافة مشيا ثم اشتق من المشي المستعار للزحف يمشي وهذا ظاهر وقيل يحتمل أن يكون مجازا مرسلا بذكر المقيد واردة المطلق كما في المشفر فإنه إن أريد به مطلق الشفة فهو مجاز مرسل وإن أريد به شفة تشبه المشفر في الغلظ فهو استعارة معروفة واستعماله لمطلق الشفة لا ينافي إرادة شفة الإنسان باعتبار أنه فرد من أفراد المطلق كما يقال لزيد رجل فما قيل إن هذا ليس من قبيل ذكر المقيد وإرادة المطلق لأن خصوص الزحف مقصود هنا ظاهر السقوط انتهى ولا يخفى عليك أنه إذا كان خصوص الزحف مقصودا لا يكون من قبيل ذكر المقيد وإرادة المطلق بل من قبيل ذكر المقيد وإرادة المقيد الآخر فيكون استعارة لا مجازا مرسلا إلا أن يقال إنه ذكر قوله : وإنما سمي الزحف مشيا على الاستعارة يقال زحف الدباء زحفا إذا مضى قدما والدباء الجراد قبل أن يطير والصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي فمقتضى الظاهر أن يقال من يزحف مكان من يمشي لكن عبر عن الزحف بالمشي تشبيها له به في السير والمرور على وجه الأرض قوله أو للمشاكلة أي أو يكون تسمية الزحف مشيا للمشاكلة فإنه لما وقع ذكر الزحف في صحبة ذكر المشي حيث قيل منهم من يمشي على رجلين عبر عنه به للمشاكلة أو للازدواج وجعله صاحب الكشاف من باب استعارة المرسن للأنف ولم يجوز صاحب المفتاح كونه من باب الاستعارة بل ذهب إلى أنه من إطلاق لفظ المقيد على المطلق فيكون مجازا مرسلا لا استعارة والظاهر أن ما في الآية من باب الاستعارة لأن سير الحية ليس مشيا بحسب اللغة بخلاف الأنف والمرسن فإنهما كالمترادفين بحسب اللغة .