اسماعيل بن محمد القونوي
357
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أيضا في رؤية سائر المبصرات لكن لما كان اللون مبصرا بواسطة النور أدرجه المص في سائر المبصرات وإن كان واسطة في رؤية سائر المبصرات من الاشكال والصغر والكبر والقرب والبعد والحركة والسكون والتفرق والاتصال والانفصال إلى غير ذلك فنظر المص هنا إلى كون اللون موقوفا رؤيته على النور والضوء ولم يلتفت إلى كونه موقوفا عليه لرؤية المبصرات المذكورة لأنه بصدد بيان أحوال النور ومعنى قوله وبوساطتها سائر المبصرات يدرك الباصرة سائر المبصرات بوساطة النور ثانيا سواء كان إدراكها بالذات وهو رؤية الألوان فإنها « 1 » بالذات وإن كانت مشروطة برؤية النور أو بالعرض وهو رؤية سائر المبصرات وللإشارة إلى ذلك قال يدركها الباصرة أولا ولم يقل أولا وبالذات لما عرفت من أن اللون مبصر بالذات وإن لم يكن مبصرا أولا فلو قال وبالذات لاختل قوله وبوساطتها سائر المبصرات لشموله الألوان فعلم أن معنى كون المرئي بالذات وبالعرض أن يكون هناك رؤية واحدة متعلقة بشيء ثم تلك الرؤية بعينها تتعلق بشيء آخر فيكون الشيء الآخر مرثيا ثانيا وبالعرض والأول مرئيا بالذات أولا « 2 » وأما رؤية الألوان فهي رؤية أخرى مغايرة لرؤية النور وإن كانت مشروطة بها فهي بالذات لا بالعرض وإن كانت ثانية « 3 » . قوله : ( كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما ) مثال للنور قوله : كالكيفية الفائضة من النيرين على الاجرام الكثيفة المحاذية لهما فيكون تلك الاجرام الكثيفة كالمرايا المقابلة للنور يرتسم فيها كيفية النور ارتسام الصورة في المرأة ثم ينعكس الشعاع منهما إلى الباصرة وبواسطة الانعكاس يحصل الإبصار وإنما قال على الاجرام الكثيفة لأن في الاجرام اللطيفة لا يحصل الارتسام كالهواء فلا يرى وما يرى من بعض الاجرام اللطيفة كالماء والزجاج ففيه نوع كثافة يقبل بها الارتسام فيرى لذلك والنور بهذا المعنى لا يصح اطلاقه على اللّه تعالى لأنه عرض واللّه تعالى منزه عن ذلك فإنه تعالى ليس بعرض كما أنه تعالى ليس بجوهر فإذا اطلق يكون بتقدير مضاف مثل اللّه ذو نور السماوات والأرض أو على التجوز والتجوز على وجوه الوجه الأول أن يكون النور بمعنى المنور فالمعنى اللّه نورهما فيكون من قبيل الوصف بالمصدر مبالغة والثاني أن يكون بمعنى المدبر فيكون النور مجازا مستعارا للمدبر والجامع كون كل منهما ما به الاهتداء وأشار إلى الجامع بقوله لأنهم يهتدون به في الأمور والثالث أن يكون بمعنى الموجد وعلى هذا أيضا يكون إطلاق النور على الموجد على الوجه المجاز المستعار والجامع بين النور
--> ( 1 ) قال قدس سره في شرح المواقف ونحن إذا رأينا لونا مضيئا فهناك رؤيتان أحدهما متعلقة بالضوء أو لا وبالذات والأخرى متعلقة باللون كذلك وإن كانت هذه الأخرى مشروطة بالرؤية الأولى ولهذا ينكشف كل واحد منهما عند الحس انكشافا تاما بخلاف الشكل والحجم وإخواتهما فإنه لا يتعلق بشيء منهما رؤية ابتداء بل الرؤية المتعلقة بلون الجسم ابتداء يتعلق هي بعينها ثانيا بمقداره وشكله وغيرهما من كونه بالذات إذ كونه بالذات يجوز أن يكون ثانيا وكون الشيء بالعرض أخص من كونه ثانيا إذ يجوز كونه ثانيا مع كونه بالذات . ( 2 ) كحركة السفينة وجالسها . ( 3 ) فظهر منه أن كون الشيء أولا أخص مطلقا .