اسماعيل بن محمد القونوي
297
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الأول استدل بهذه الآية فكيف يحسن ما ذكرت قلنا إن الاستدلال بناء على أن المراد بالمحبة الاختيارية وهي العزم المصمم بلا فعل ولا إشاعة وأما إذا كان المراد بالمحبة الإرادة المقارنة بالفعل بقرينة ما سبق من إشاعة التهام الصديقة أم المؤمنين بالفعل والمراد بهذه الآية التهديد عليها وعلى أمثالها على ما يقتضيه حسن الانتظام فلا يمكن الاستدلال بها على المذكور وكل إناء يترشح بما فيه وقد علم كل أناس مشربهم وأيد بما عنده مذهبهم . قوله : ( أن تنتشر ) أي معنى الشيوع الانتشار « 1 » . قوله : ( الفاحشة ) أي الزنا فحينئذ يعرف حال غير الزنا من العيوب والذنوب بدلالة النص . قوله : ( في الذين آمنوا ) أي في شأن الذين آمنوا فهو عام لكل قذف بل لكل عيب في حق كل مؤمن لا يختص بقذف الصديقة بل يدخل تحت هذا العموم دخولا أوليا لنزول الآية في قذفها وفي المؤمنين تغليب وإشارة إلى أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها من زمرة الرجال الكاملين والمتعففين العاقلين والقول بأن المراد بالمؤمنين عائشة تعظيما والفاحشة قذفها ضعيف . قوله : ( بالحد والسعير إلى غير ذلك ) بالحد إشارة إلى العذاب في الدنيا وهذا كالتصريح بأن المراد بالمحبة الإرادة المقارنة بالفعل إذ لا حد بالاتفاق على العزم المصمم بدون الإشاعة وقد ذهل عنه من قال إن مراد المص الإرادة والعزم المصمم على الإشاعة بلا إشاعة قوله : والسعير عذاب الآخرة إن لم يحد في الدنيا وقيل الحد لمن نقله من المسلمين والسعير لابن أبي فإنه لم يحد فلا يرد أن الحدود مكفرة فكيف يجمع بينهما مع أنه مختلف فيه وهذا ضعيف لأنه يقتضي التخصيص بقذف عائشة رضي اللّه تعالى عنها وهو خلاف ظاهر النظم كما عرفت من أن جمع المؤمنين كالنص في العموم ولأن عدم حد ابن أبي غير معتد به لما ذكرنا سابقا من أنه مخالف لقاعدة الشرع وقد قال الإمام في هذا المقام ضرب رسول اللّه عليه السّلام عبد اللّه « 2 » بن أبي وحسانا ومسطحا انتهى وهو الصواب الموافق لفصل الخطاب فالأولى ما قدمناه من أن عذاب الآخرة إن لم يحد بلا عفو المقذوف ولم يذكر الفاء في لهم تنبيها على أنهم استحقوا هذه العقوبة بمجرد خبث طبيعتهم وإن هذا القذف نشأ من شدة شكيمتهم حتى يترتب عليه بالفعل ما يستحقون بخبث مزاجهم . قوله : ( ما في الضمائر ) أي المغيبات قيده بها لصحيح الحصر إذ تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد القصر وصحة الحصر بالنظر إلى المغيبات في الاثبات والنفي .
--> ( 1 ) قال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى المصابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة الفاحشة وذاك ممنوع قاله الإمام لكن هذا فيما لا يقتضي الشرع استنطاقها . ( 2 ) والكثيرون ذهبوا إلى أن ابن أبي لم يحد ولا وجه له .