اسماعيل بن محمد القونوي
254
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة وقرئت بالمد على فعالة ) بفتح الفاء مصدر أو اسم مصدر وهو الظاهر كالسآمة والكآبة لكن هذا من هذه المادة قليل بالنسبة إلى الرأفة بالسكون وقارئه قنبل كما نقل عن الجعبري فليست من القراءة الشاذة . قوله : ( فإن الإيمان يقتضي الجد في طاعة اللّه والاجتهاد في إقامة أحكامه وحدوده وهو من باب التهييج ) أي التحريض على طاعة اللّه تعالى لا الشك في إيمانهم كقول الأب إن كنت أباك أفاحسن إلي وله نظائر كثيرة . قوله : ( وليشهد ) وليحضر عذابهما بأن يحضر موضع أحدهما والأمر للاستحباب لا للوجوب والتعبير بالعذاب تنبيه على أنه عقوبة شرعت للزجر ومنعه عن المعاودة وللزجر سائره عنه إذ العذاب في الأصل يتضمن معنى الردع ولا ينافي كونه كفارة إذ الأصح أن المحدود لا يؤاخذ في الآخرة بسبب الحد في الدنيا والتردد في القصاص . قوله : ( زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر ما ينكل التعذيب ) زيادة في قوله : وقرىء رأفة بفتح الهمزة على وزن حركة وهذه قراءة ابن كثير ولم يختلفوا فيما وقع في سورة الحديد واتفقوا على القراءة بسكون الهمزة لمجاورة قوله ورحمة ولما كان الرأفة معنى في القلب لا ينهى عنه لأنه لا يكون باختيار الإنسان حمل رحمه اللّه النهي عن اتخاذها على الكناية فتعطلوه فيكون النهي راجعا إلى تعطيل الحد لا إلى اتخاذ الرأفة وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وقال جماعة معناه النهي عن المسامحة في الحد فالمعنى لا تسامحوا في حدهما فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وللإشارة إليه قال رحمه اللّه أو تسامحوا ولما كان تعطيل الحد ومسامحته لازمين عادة لاتخاذ الرأفة ذكر اللفظ الدال على الملزوم وأريد اللازم وحمله على المجاز أولى من حمله على الكناية لأن الكناية عند أهل البيان لا تنافي إرادة المعنى الموضوع له والمجاز ينافيها وإرادة المعنى الموضوع له اللفظ هنا لا تجوز لأن النهي عما جبل عليه الإنسان غير معقول المعنى فالوجه أن يقال في تفسيره فلا تعطلوه أو لا تسامحوه ولم يفسر رحمه اللّه النهي المذكور في الآية بما ذكرنا لم يقل فلا تعطلوه أو لا تسامحوه بل جعل التعطيل والمسامحة مسببا عن اتخاذ الرأفة حيث قال فتعطلوه أو تسامحوه وهذا دليل على أن قصده إلى الكناية لأن الظاهر من كلامه رحمه اللّه أنه توسل بالملزوم وإرادته إلى اللازم الذي هو المعنى المقصود وهذا المقام مما ينبغي للناظر اللبيب أن يتأمل فيه . قوله : وهو من باب التهيج هو إثارة الغضب للّه ولتنفيذ حكمه من هاج هيجه أي أثار غضبه وهيجه أثاره يعني أن قوله تعالى : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ [ النور : 2 ] الآية تهيج للوالين والهاب غضبهم للّه ولدينه فالمعنى أيها الحكام الوالون في أمر الدين تصلبوا فيما دينت لكم واستعملوا الحد والمتانة فيه ولا يأخذكم الرفق واللين في استيفاء حدودي . قوله : زيادة في التنكيل يقال نكل به تنكيلا إذا جعله نكالا وعيرة لغيره والنكل بالكسر القيد والنكل أيضا حديدة اللجام ورجل نكل ونكل كشبه وشبه كأنه ينكل به أعداءه ويجوز أن يكون من النكول الذي هو بمعنى الجبن والتولي عن الشيء جبنا منه يقال نكل عن العدو وعن اليمين ينكل