اسماعيل بن محمد القونوي

214

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

جهلتهم ) إن كنتم من أهل العلم الخ أي تعلمون نزل منزلة اللازم فلا يرام له مفعول أو مفعوله محذوف بقرينة ما قبله أي من العالمين بذلك أي باللّه تعالى كما ينبئ به قوله سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قدم الوجه الأول لأن فيه زيادة استهانة حيث أبرز كونهم من أهل العلم والعقل في صورة الشك فكلمة الشك للاستهانة لا بالنسبة إلى المتكلم تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ولذا قال فيكون استهانة بهم الخ أما في الأول فلما مر وأما في الثاني فلإبراز الشك في العلم بالضروريات أو مثل البديهيات وبما لم يقل زيادة استهانة لأنها لا يستفاد من أصل السؤال والاستفهام حتى يكون هذا زيادة استهانة . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 85 ] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قوله : ( حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح وإلزاما بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا فقال سَيَقُولُونَ لِلَّهِ لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها أي بعد ما قالوه ) حتى جهلوا الخ فإن الجهل مثل هذا الجلي غاية جهلهم أو غاية تقرير جهالتهم والمثل كنوى المسكة بضم الميم القليل من مسكة الطعام والشراب وهو ما تمسك الرمق والمراد هنا أدنى شيء من العلم والعقل استعارة وفي هذا إشارة إلى أن لهم علما بذلك لكن نزل علمهم منزلة الجهل لعدم جريه على موجبه فالمراد جهل تنزيلي لا تحقيقي يدل عليه قوله تعالى : سَيَقُولُونَ لِلَّهِ والسين للتأكيد ثم قوله تقريرا لجهالتهم ناظر إلى الوجه الأول وإلزاما ناظر إلى الوجهين قوله بأدنى نظر لا ينافي قوله الجلي الواضح إذ بداهة الحكم لا تنافي نظرية الطرفين إذ لا بد فيها من توجيه النفس إليه وهو المراد بأدنى نظر . قوله : فيكون استهانة بهم لانباء كلمة الشك عن تجهيلهم وجعل كونهم من أهل العلم مشكوكا مفروضا معدودا من الممتنعات التي ليس لها تحقق بل شأنها أن يفرض فرضا ويقدر تقديرا . قوله : وإلزاما بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره أي والزاما بشيء لا يمكن إنكاره لمن له أدنى علم أي إلزاما بالسؤال عن شيء اضطرهم أن يعترفوا بما هو الحق في الجواب لجلائه وانكشافه لمن له أدنى شيء من العقل وهو أن يقولوا للّه حين ما سئلوا لمن الأرض ومن فيها . قوله : ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا أي ولأن إنكار ما هو الحق في جواب ذلك السؤال مما لا يمكن لمن له أدنى علم اخبر اللّه تعالى عن جوابهم قبل أن يجيبوا فقال سَيَقُولُونَ لِلَّهِ إشعارا بأنهم لا جواب لهم سواه سواء نطقوا به أم كانوا صامتين أو يكون معناه ولإلزامهم بذلك السؤال أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا أقول إخبار للّه تعالى عنهم بقوله : سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [ المؤمنون : 85 ] ثبت لهم العلم بأن الأرض ومن فيها للّه وأنه خالقها وينافيه قوله رحمه اللّه حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح لأنه ينفي عنهم العلم بذلك فالصواب فيه ما قال صاحب الكشاف حيث قال وفيه استهانة وتجويز لفرط جهالتهم في الديانات أن يجهلوا مثل هذا الظاهر فإنه لا يرد عليه مثل هذا الاعتراض المذكور لأنه لم يثبت لهم الجهل بذلك الظاهر حتى ينافيه قولهم في الجواب للّه تعالى بل قال وفيه تجويز أن يجهلوا مثل ذلك الظاهر وتجويز الجهل لا يستلزم الجهل .