اسماعيل بن محمد القونوي
210
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وهو ظاهر ولا يخالف قوله تعالى : إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ [ المؤمنون : 64 ] لما عرفت أن التضرع ليس عادتهم بل يتضرعون وقتا دون وقت ولو حمل النفي هنا مؤخرا حتى يدل على استمرار النفي فيقال هذا لبيان حال الباقين وذلك لبيان حال الهالكين إذ في وقت النزع يؤمن كل كافر « 1 » ويتضرع لكنه لا يفيد أو ويحمل الجؤار على ما كان باللسان والتضرع على ما كان بصميم القلب فلا منافاة . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 77 ] حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 77 ) قوله : ( حتى إذا فتحنا ) فيه نوع تهكم وحتى ابتدائية وإذا شرطية أو حرف جر وإذا ظرفية كما مر تحقيقه في قوله تعالى : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ الآية . قوله : ( يعني القحط فإنه أشد من الأسر والقتل ) بقرينة الرواية المذكورة وقيد العذاب بالشديد أشار إليه فإنه أشد الخ لكن الأشدية في ترتب الحيرة حيث قال تعالى : إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وإن الأشدية في نفس الأمر واقع صحيح . قوله : ( متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك عتاهم يستعطفك ) أي أشدهم عتوا قبل إسلامه والاستعطاف ليزول يأسهم بدعائه عليه السّلام وقد سبق أنه قال أنشدك اللّه تعالى والرحم إلى قوله والأبناء بالجوع فلا وجه للإشكال بأن الاستعطاف يدل على أنهم لم يكونوا آيسين والجواب بأنهم آيسوا من كل خير إلا من جهة الرسول عليه السّلام لأنه رحمة للعالمين كما مر في الرواية وفسر بعضهم بالعذاب في الآخرة فحينئذ لا يرد الإشكال قطعا . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 78 ] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 78 ) قوله : ( لتحسوا بها ما نصب من الآيات ) أي الغرض من خلقها والحكمة استعمالها فيما خلقت له وقد استعملتم في غير ما خلق هي له فلا جرم أنكم تسألون عنها . قوله : ( والأفئدة ليتفكروا فيها وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية ) والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب والمراد هنا القلوب وقدم الحواس لأنها مبادي التفكر طُغْيانِهِمْ [ المؤمنون : 75 ] فالمعنى أن عدم استكانتهم وتضرعهم حين أخذوا بالعذاب يوم بدر يدل ويشهد على أنهم يلجون ويتمددون في طغيان ولو رحموا وكشفوا عما فيهم من ضر لقحط . قوله : متحيرون آيسون من كل خير يقال أبلس من رحمة اللّه أي يئس ومنه سمي إبليس وكان اسمه عزازيل والإبلاس أيضا الانكسار والحزن أفجمع رحمه اللّه معنييه فقال متحيرون آيسون من كل خير ومعنى الكلية مستفاد من حذف ما آيس منه ليتناول كل متناول . قوله : حتى جاءك اعتاهم يعني أبا سفيان لأنه هو الذي جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للاسترحام والاستعطاف قائلا أنشدك اللّه والرحم .
--> ( 1 ) قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [ النساء : 159 ] الآية على وجه .