اسماعيل بن محمد القونوي
194
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يقال إن ما ذكره هو المخوف بتقدير من الابتدائية وما في النظم علته فيكون من في النظم المقدرة تعليلية لا ابتدائية . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 61 ] أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 ) قوله : ( أولئك يسارعون ) خبر إِنَّ الَّذِينَ هُمْ [ المؤمنون : 57 ] الآية وصيغة البعد للتفخيم . قوله : ( يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها ) إشارة إلى أنه ضمن معنى الرغبة فلذا عدي بمن قوله أشد الرغبة منفهم من صيغة المفاعلة فإنها للمبالغة لا للمبالغة فيبادرونها هذا لازم الرغبة فهو أبلغ من يسارعون إلى الخيرات لأن فيه معنى الرغبة والمبادرة والمبادرة العجلة في أول الأوقات والعجلة المذمومة ما كان قبل الوقت . قوله : ( أو يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها كقوله : فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا [ آل عمران : 148 ] ) النيل الوصول قوله بالمبادرة إليها أي إلى الأعمال الصالحات إشارة إلى أن أولئك للتنبيه على أن ما بعده مسبب عن الأوصاف المذكورة قبله وهذا دليل على ما ذكرناه من أن الأموال والأولاد ممدوحون لمن أطاع اللّه تعالى فيضمحل ما أورده الفاضل السعدي . قوله : ( فيكون إثباتا لهم بعد ما نفي عن أضدادهم ) فيحصل حسن الطباق للآية قوله : يرغبون في الطاعات أشد الرغبة لما استعمل نسارع بكلمة في وأصله أن يعدى بكلمة إلى جعله مضمنا معنى الرغبة التي يعدى بفي ومعنى الشدة مستفاد من صيغة المفاعلة المفيدة لمعنى المغالبة المنبئة عن الجد في الفعل والألف واللام في الخيرات للعهد الخارجي فالمعهود إما ما ذكر في قوله : ( يؤتون ما آتوه من الصدقات والطاعات ) على اختلاف القراءتين فللإشارة قال في تفسير قوله : يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 61 ] يرغبون في الطاعات وأما ما ذكر في قوله عز من قائل : أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 55 ، 56 ] فللإشارة إليه قال أو يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة لهم على صالح الأعمال ويشهد له قوله : ( فيكون لهم ) اثباتا بعد ما نفى عن أضدادهم فإن أضدادهم الكفرة يظنون أن ما يمدهم اللّه به يسارع به لهم الخيرات الدنيوية ثمرة لما هم عليه من الأعمال فنفاه اللّه عنهم وأثبته للمؤمنين بقوله : أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 61 ] أي يبادرون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة لهم ثمرة لأعمالهم الصالحة فاستوفى محتملي العهد بالترديد المذكور ولكون المعهود في الوجه الأول الأقرب وكونه في التسمي باسم الخير أليق قدمه على الوجه الثاني . قوله : فيكون اثباتا لهم بعد ما نفى عن أضدادهم أي فيكون على التأويل الأخير اثباتا للمؤمنين ما نفى عن الكفرة المضادين لهم بقوله عز من قائل : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 55 ، 56 ] لكن النفي هناك ضمني مستفاد من الاستفهام الإنكاري الداخل على فعل الحسبان فإن قولك أيحسب الكافر أن ماله خير له يتضمن أن ماله ليس خير له .