اسماعيل بن محمد القونوي
161
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو ما كلمهم به من الحث على عبادة اللّه ونفي إله غيره أو من دعوى النبوة ) هذا حاصل ما سبق لأنه وإن كان معطوفا على نوحا لكنه عطف على قول نوح في الحقيقة فالإشارة إلى كلام نوح لكنه ليس من حيث إنه صادر من نوح بل مطلق هذا الكلام ونوعه فإن الإشارة قد تكون إلى النوع دون الشخص كقوله تعالى : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ [ البقرة : 25 ] الآية فلا حاجة إلى تقدير لفظ المثل أي ما سمعنا مثل هذا الكلام ومن قدره كصاحب الكشاف اعتبر الإشارة إلى شخص الكلام ومن لم يقدر كالمص اختار الإشارة إلى النوع فمآلهما متحد لكن اعتبار المص أدق وقد اعترف الزمخشري كون الإشارة إلى النوع في الآية المذكورة . قوله : ( وذلك إما من فرط عنادهم أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة ) لأنهم سمعوا ذلك من آبائهم أن نوحا ادعى النبوة والحث على عبادة اللّه تعالى الخ ثم ينكرونه عنادا واستكبارا وقيل إذ الظاهر أنهم سمعوا نبوة آدم وشيث وإدريس وهذا لا يلائم قوله يعنون نوحا الخ وقال هذا القائل فيكون هذا الكلام من متأخري قومه نعم قوله أو لأنهم كانوا في فترة الخ يناسب ما ذكر من أنهم يعنون كون البشر رسولا ولعل المص أشار به إلى هذا الاحتمال كما هو عادته ثم كون المراد متأخري قومه على كون المراد نوحا يوهم كون أوائل قومه معترفين بنبوة نوح عليه السّلام برمتهم ولا يخفى ما فيه وأيضا قوله أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة يشعر أن المراد مطلق قومه وفي بيانه نوع خلل فتأمل فالأولى كون المشار إليه كون البشر رسولا « 1 » فيدخل إنكار نبوة نوح دخولا أوليا والقوم قومه مطلقا فإن من آمن من قومه ثمانون أو ثمانية وسبعين من أولاده واتباعه وقيل عشرة نصفهم ذكور ونصفهم إناث كذا قاله في سورة العنكبوت أي جنون ولأجله يقول ذلك . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 25 ] إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ( 25 ) قوله : ( فاحتملوه وانتظروا ) أي التربص الانتظار والاحتمال . قوله : ( لعله يفيق من جنونه ) . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 26 ] قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ( 26 ) ( بعدما أيس من إيمانهم ) . قوله : ( بإهلاكهم أو بإنجاز ما وعدتهم من العذاب ) بإهلاكهم أشار إلى أن إهلاك العدو مستلزم لنصرة النبي وفي هذا الطريق من الدعاء ما لا يخفى من البراعة والبلاغة حيث لم يصرح إهلاكهم بل سأله بطريق يستلزم سؤال إهلاكهم وهذا في غاية من حسن قوله : فاحتملوه على صيغة الأمر أي تحملوا واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره على عاقبة فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه .
--> ( 1 ) قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 94 ] كالنص فيما ذكرناه .