اسماعيل بن محمد القونوي

113

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( أو عن منازعتهم كقولك لا يضاربنك زيد وهذا إنما يجوز في أفعال المغالبة للتلازم ) أي نهى الرسول عن المنازعة بطريق الكناية أيضا قوله وهذا الخ توهين القول الأخير لأنه إنما يجوز في أفعال المغالبة للتلازم وهنا ليس كذلك فلا يكون هذا الكلام نهيا عن المنازعة بل إنما يكون نهيا له عليه السّلام عن الالتفات كما قدمه والحاصل أن كون نهي أحد الفاعلين عن فعل كناية عن نهي فاعل آخر عن مثله مختص بالمغالبة مثل لا يضاربنك زيد فلا إشكال على الحصر بأن المص قال في تفسير قوله : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [ طه : 16 ] من سورة طه أنه نهى الكافر عن أن يصد موسى عنها والمراد نهيه عن أن ينصد والانصداد ليس مثل الصد . قوله : أو منازعتهم كقولك لا يضاربنك زيد أي أو المراد نهى الرسول عن منازعتهم وإن أفاد ظاهر الكلام نهيهم عن منازعته مثل لا يضاربنك زيد فإنه وإن كان نهيا لزيد الغائب عن أن يضارب المخاطب لكن المراد به نهى المخاطب عن أن يضارب زيدا فإن النهي الأول لما كان مستلزما للنهي الثاني والثاني لازما له وبالعكس وبالجملة لما كان النهيان متلازمين ذكر اللفظ الدال على الملزوم وأريد به اللازم على سبيل الكناية لا على وجه المجاز لصحة إرادة الملزوم قوله وهذا إنما يجوز في أفعال المغالبة للتلازم أي هذا النوع من استعمال اللفظ لا يجوز إلا في أفعال المغالبة للتلازم لأن انسلاب الفعل عن أحد المغالبين يستلزم انسلابه عن الآخر لأنه لا يقوم إلا بهما لا بأحدهما ولهذا قال صاحب الكشاف وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين وأقول في قوله وهذا إنما يجوز في أفعال المغالبة نظر لأن تخصيص جواز هذا النوع من الاستعمال بأفعال المغالبة ينافي ما ذكره رحمه اللّه في سورة طه في تفسير قوله تعالى : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [ طه : 16 ] حيث قال هناك نهى الكافر أن يصد موسى عنها والمراد نهيه عن أن ينصد عنها فإن الفعل هناك ليس من أفعال المغالبة وقد جوز فيه ذلك فمجيء كلامه هنا بطريق الحصر ينافي تجويزه هناك فلعل ترك طريق الحصر في كلام صاحب الكشاف في قوله وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين لهذه العلة ويمكن أن يقال في جوابه إن الفعلين في فعل المغالبة متحدان بالذات والفعل لوجوب صدوره من اثنين لا يحصل بواحد فانسلابه عن أحدهما يستلزم انسلابه عن الآخر بخلاف الصد والانصداد فإنهما متغايران بالذات فإن صد أحد الشخصين لا يستلزم صد الآخر له لكن يستلزم انصداده عادة ولو في الجملة فمراده رحمه اللّه أن إرادة نهي المخاطب عن فعل بنهي الغائب عن مثل ذلك الفعل بعينه إنما يجوز في أفعال المغالبة والانصداد ليس مثل الصد لتغايرهما في الحقيقة قال ابن جني فلفظ النهي لهم ومعناه له صلوات اللّه عليه هذا إذا أجريت المفاعلة على واحد مبالغة وقال الزجاج هو نهي له عن منازعتهم كما تقول لا يخاصمنك فلان في هذا أبدا وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين لأن المجادلة والمخاصمة لا يكون إلا باثنين فإذا قلت لا يجادلنك فلان فهو بمنزلة لا تجادلنه ولا يجوز هذا في قولك لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربنه ولكن لو قلت لا يضاربنك فلان لكان كقولك لا تضاربن فلانا إلى هنا كلام الزجاج والفرق بين التفسيرين وهما تفسير النهي بنهي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة وتفسيره بنهيه عن منازعتهم هو أن التفسير الأول نهي له عن الكينونة على وصف يكون سببا لمنازعتهم والتفسير الثاني نهي له عن نفس المنازعة وكلاهما من الكنايات كذا قالوا .