اسماعيل بن محمد القونوي

8

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

سورة الانشقاق الظاهر من الآية أن الإنسان ينقسم إلى هذين القسمين أي إيتاء الكتاب باليمين أو بالشمال ولم يتعرض لعصاة المؤمنين الذين يدخلهم اللّه النار ورضي به الفاضل المحشي هناك فلا وجه لبحثه هنا كما لا يخفى وتوصيف البأس بالشدة قرينة على ذلك لأن كل عذاب اللّه وإن كان شديدا لكن الشدة العظيمة على ما يستفاد من التنوين مختصة بالكافرين إذ الشدة من الكليات المشككة وفيه صنعة احتباك حيث ذكر هنا المنذر به دون المنذر وما سيجيء بالعكس والمنذر فيه الكافرون المخصوصون « 1 » وهنا كذلك غاية الأمر أن المنذر هنا عام ولك أن تخص بالكافرين المذكورين هناك . قوله : ( واقتصارا على الغرض المسوق إليه ) علة مصححة بل جزء علة إذ العلة مجموع الاكتفاء والاقتصار فلا إشكال بأنه لو كان الأمر كذلك لما اختير عكسه فيما سيجيء . قوله : ( صادرا من عنده ) إشارة إلى أن من ابتدائية وإن متعلقه صفة مفيد لعظم البأس وهذا أيضا قرينة على أن المنذر به الكافرون وإن لدن بمعنى عند . قوله : ( وقرأ أبو بكر بإسكان الدال كإسكان الباء من سبع ) للتخفيف إذ أصله سبع بضم الباء فأسكن كالعضد والرسل وهذا مطرد . قوله : واقتصارا على الغرض المسوق إليه فإن الغرض من إنزال الكتاب ذكر المنذر به الذي هو البأس من غير نظر إلى المنذرين من هم فترك ذكر ما هو غير منظور إليه وطوى من البين لعدم تعلق غرض به ولما كان المقصود الأصلي ذكر المنذر به وجب الاقتصار عليه قال صاحب الكشاف والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ الكهف : 4 ] متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به كما ذكر المبشر به في قوله : أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً [ الكهف : 2 ] استغناء بتقدم ذكره أي والدليل على أن المنذر به هو الغرض الذي سبق له الكلام تكرير قوله عز وجل : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ الكهف : 4 ] الآية وجعلها مقرونة بقوله : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً [ الكهف : 2 ] وهو يوجب أن يذكر فيه المنذر والمنذر به كما ذكر في أختها المبشر والمبشر به وإنما ترك المنذر به الذي هو الغرض في القرينة الثالثة اكتفاء بذكره في الآية الأولى فقوله استغناء بتقدم ذكره تعليل لقوله من غير ذكر المنذر به وقد اعترض عليه بأنه لم لم يجعل قوله : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [ الكهف : 2 ] قرينة لقوله : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً [ الكهف : 2 ] فيقدر المنذر به هنا ويترك القرينة الثالثة في حق المنذر به على إطلاقها ليكون الغرض في الإيراد ذكر المنذرين فأجيب بأن قيل ليس جعل ساقة الكلام أصلا في الاعتبار ومقدمه فرعا أولى من العكس لأنهم يقدمون ما هو الأهم وما هم بشأنه أعني على أن بأسا ثاني مفعولي الإنذار وهو أولى بالحذف فترك الأول إلى ذكر الثاني أوغل في إرادة خلاف مقتضى الظاهر والذهاب إلى خلاف المقتضي لنكتة أخرى وأنسب للبلاغة لأنه من حلية التنزيل . قوله : صادرا من عنده فهو صفة ثانية لبأسا لا حال منه وإلا لكان الواجب تقديمه عليه .

--> ( 1 ) هذا بحسب الظاهر وإلا ففي الحقيقة عام لجميع الكفار كما سيجيء بيانه .