اسماعيل بن محمد القونوي
562
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تعالى في هذه المسألة ونحوها من المسائل الاجتهادية قيل الاجتهاد وهو مذهب المعتزلة وتفصيله وما فيه وما عليه في علم الأصول والكلام . قوله : ( وهو يخالف مفهوم قوله : فَفَهَّمْناها [ الأنبياء : 79 ] ) هذا رد من المصنف له بأنه يخالف ما فهم من قوله : فَفَهَّمْناها [ الأنبياء : 79 ] لأنه يفهم أن داود لم يفهمها وليس في المنطوق تصويب حكم داود عليه السّلام حتى يقال إن المفهوم لا يعارض المنطوق قال المصنف استدل بالمفهوم وأما العلماء الحنفية فلا يستدلون بالمفهوم بل بنحوا قصة بدر كما صرح به في التوضيح ولا حاجة إلى القول بأنهم يستدلون بالمفهوم إذا اعتضد بالقرائن فإن الدليل حينئذ على أن كل مجتهد ليس بمصيب تلك القرائن لا المفهوم لأنهم أنكروا المفهوم فكيف يقولون به هنا بالقرائن الحالية . قوله : ( ولولا النقل لاحتمل توافقهما ) لولا النقل أي نقل مخالفة حكم سليمان بحكم داود لاحتمل توافقهما أي في حكم واحد فلا يستفاد منه ما ذكر من جواز خطأ المجتهد على القول الحق ومن أن كل مجتهد مصيب وأنت خبير بأن النقل المذكور ليس بمتواتر فلا يمنع هذا الاحتمال وبهذا يندفع كثير من الإشكال من أن هذين الحكمين المتخالفين هل هما بالاجتهاد فيترتب عليه بعض الفساد « 1 » ويتمحل في دفعه بالتمسك بالاعتساف أو بالوحي فيلزم حينئذ ما لزم من المحذور المزبور « 2 » ويحتاج في دفعه إلى التكلف المذكور فلا جرم أن هذا الاحتمال أحسن المقال . قوله : ( على أن قوله : فَفَهَّمْناها [ الأنبياء : 79 ] لإظهار ما تفضل عليه في صغره ) على أن قوله على بنائية لإظهار ما تفضل بصيغة المجهول بالتاء الفوقية على سليمان في صغره مع أنه لم يتعاهد مثله من مثله لا لأن داود لم يفهم فإن فهم أيضا لأن الحكم واحد على ما فرضناه لكن فهمه ليس بمستغرب لكبره وتمام فهمه وهذا من قبيل تلقين الجواب للخصم فإنه يمكن أن يقول له قوله تعالى : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [ الأنبياء : 79 ] لا يدل على خطأ داود مفهوما لأن فيه فائدة أخرى غير المفهوم وهو أنه أرفق وأنفع لهم مع أن حكم داود عليه السّلام صواب أيضا والقائل بالمفهوم إذا لم يوجد في القيد فائدة أخرى فلا مفهوم ولا كل منهما حكما وعلما أوتياه من اللّه تعالى وكل حكم وعلم أتاهما اللّه تعالى فهو صواب فحكمهما صواب فحاكم ذلك الحكم مصيب فيه . قوله : وهو يخالف مفهوم قوله : فَفَهَّمْناها [ الأنبياء : 79 ] أي كون الآية دليلا على أن كل مجتهد مصيب يخالف مفهوم فَفَهَّمْناها [ الأنبياء : 79 ] وجه مخالفته له أن قوله : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [ الأنبياء : 79 ] بطريق المفهوم على أن داود ليس بمصيب في حكومته لإفادته أن حكومته ليست بتفهيم منه تعالى .
--> ( 1 ) من أنه يلزم انتقاض اجتهاد باجتهاد آخر وهو ليس بجائز وجوابه ما ذكر في أصل الحاشية . ( 2 ) من أن سليمان عليه السّلام ليس نبيا في ذلك السن وجوابه ما ذكر .