اسماعيل بن محمد القونوي
546
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق أنت كتبته فقلت بل كتبته ) أو تقريرا لنفسه مع الاستهزاء أي لنفي فعل الصنم الكبير للكسر وتطبيق هذا على المثال المذكور أن الجماد ليس له فعل أصلا فضلا عن الكسر ومقتضى سؤالهم إن هذا الكسر أفعلت أم فعله كبيرهم فرددوا الكسر بين القادر والعاجز كما ردد الخط بين من يقدر على الخط وبين من لا يقدر عليه فإذا أثبت للعاجز الغير القادر على طريق الاستهزاء فهم منه انحصار فعله في الآخر « 1 » وهذا اللازم هو المراد هنا قوله بخط رشيق أي حسن . إن قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : 63 ] ملجئهم إلى أن يعترفوا بعجز الصنم ويقولوا كيف يكسر هذا وهو لا يقدر على الفعل ويقول هو إذا كان عاجزا لم تتخذونه إلها والعاجز لا يصلح للألوهية فيبكتهم ويلزمهم . قوله : فيما كتبته متعلق بيقال أي لو قال لك من لا يحسن الخط في حق ما كتبته بخط رشيق أأنت كتبت هذا فقلت بل كتبته أي بل أنت كتبته مع ذلك العجز والقصور فتفطن السامع من نفي تلك الكتابة عن نفسه بكلمة الإضراب وإسنادها إلى العاجز مع علمه بأن كاتب ذلك الخط ليس ذلك العاجز أن مراد المتكلم تقرير الكناية لنفسه واستهزاء ذلك العاجز وهذا هو معنى التقرير لنفسه على الأسلوب التعريضي فإن قلت التعريض من أقسام الكناية والكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم فما وجهه ههنا قلت إذا كان الفعل دائرا بين اثنين فإذا نفي عن الآخر يتعين أن فاعله هو الأول فانتفاؤه عن الآخر لازم لثبوته للأول ومعنى انتفاء الفعل عن الآخر جاء من ورود الكلام على وجه الهزء والسخرية قال صاحب الفرائد إن هذا الوجه وهو قصد تقريرا لفعل لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي بعيد لأن ذلك إنما يستقيم إذا كان الفعل دائرا بين الاثنين فإذا انتفى من أحدهما ثبت للآخر بالضرورة وههنا ليس كذلك لأن الكسر لم يكن دائرا بين إبراهيم وبين الصنم الكبير لاحتمال أن يكون كاسرها غير إبراهيم والنظير الذي ذكره ليس الفعل دائرا بين الاثنين أيضا لأنه لا يمكن أن يكون الفعل للثالث فإن اتفق أن يكون دائرا بينهما كان صحيحا إلا أنه لم يطابق لما نحن فيه والجواب عنه أنه دل تقديم الفاعل المعنوي في قوله : أَ أَنْتَ فَعَلْتَ [ الأنبياء : 62 ] على أن الكلام ليس في الفعل لأنه معلوم بل في الفاعل كما مر في قوله تعالى : وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ [ هود : 91 ] ودل قولهم سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم وقولهم قالوا فأتوا به على أعين الناس على أنهم لم يشكوا أن الفاعل هو فإذن لا يكون قصدهم في قوله : أَ أَنْتَ فَعَلْتَ [ الأنبياء : 62 ] هذا إلا أن يقرر بأنه هو فلما رد بقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : 63 ] تعريضا دار الأمر بين فاعلين فاستفيد نفي الفعل عن الكبير من إثباته له بطريق السخرية فإذا انتفى منه ثبت بطريق الأسلوب التعريضي أن فاعله إبراهيم لعدم احتمال ثبوته لغيره بشهادة القرينتين المذكورتين وقال صاحب الفرائد جعل إسناد الفعل إلى الكبير من باب إسناد الفعل إلى السبب ضعيف لأن غيظه إنما كان من عبادة غير اللّه ويستوي فيه الكبير والصغير فالجواب عنه أن غيظه لكبيرها أكبر وأشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها وحطمه لها وأشار المص رحمه اللّه إلى هذا الجواب بقوله لما رأى من زيادة تعظيمهم له .
--> ( 1 ) إذ لا ثالث على ما فرضنا .