اسماعيل بن محمد القونوي

15

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قال الإمام الراغب والمص رضي به والفرق بينهما بأن الأسف الحزن لفعل يخالفه مع عدم الانتقام والغضب ممن يقدر عليه يرده قوله تعالى : رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً [ الأعراف : 150 ] ويرده أيضا قوله تعالى : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [ الزخرف : 43 ] ولذلك سئل ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما عن الحزن والغضب فقال مخرجهما واحد واللفظ مختلف وفي اللغة الأسف الحزن والغضب معا وقد يقال لكل منهما على الانفراد وحقيقته فوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا فهما سواء في الحقيقة والتغاير اعتباري كما هو الظاهر أو فهما مشتركان في الجنس متمايزان بالنوع فيكون بينهما تباين لكن هذا لا يلائم الجمع بينهما والنزاع في مثله قليل الجدوى إذ باب المجاز مفتوح « 1 » في الفحوى . قوله : ( وقرىء أن بالفتح على لأن فلا يجوز إعمال باخع إلا إذا جعل حكاية حال ماضية ) لأن أن المصدرية تدخل على الماضي الباقي على مضيه فيكون باخعا بمعنى الماضي فلا يوجد شرط عمله وهو أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال فلا يجوز أن يعمل إلا إذا جعل حكاية الحال الماضية فح يتحقق شرط العمل لكونه بمعنى الحال والقول بأنه لا يلزم من مضي ما كان علة لشيء مضيه ضعيف لأن تخلف المعلول عن العلة التامة غير صحيح إذ الظاهر أن عدم إيمانهم علة تامة وإلا لما حصل المدح به ولذكر معه شيء آخر والذوق شاهد على أن كمال أسفه لعدم إيمانهم فقط وإلا لارتفع الأمان إذ كل موضع ذكر فيه العلة يقال إن هذه العلة غير تامة فالصواب أن ما ذكر في معرض التعليل يحمل على أنه علة تامة ما لم يصرف عنها صارف قوي وأما في قراءة الكسر فإن الشرطية تقلب الماضي وهو لم يؤمنوا فإنه ماض بواسطة لم إلى الاستقبال فيكون مستقبلا فيكون باخعا مستقبلا أيضا فيعمل . قوله : فلا يجوز إعمال باخع أي على تقدير فتح همزة أن يكون المعنى على المضي فلا يجوز إعمال باخع في نفسك في التقدير لاشتراط كون اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال في الاعمال إلا إذا أريد حكاية الماضية وأما على تقدير كسرة أن فيعمل باخع لأن إن للاستقبال أقول لا يضر معنى المضي في لم يؤمنوا إعمال باخع في نفسك لجواز أن يراد بباخع معنى الحال على معنى فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [ الكهف : 6 ] الآن لعدم إيمانهم في الماضي قال أبو البقاء وإن لم يؤمنوا بالفتح شاذة والجمهور على الكسر ومراد المص أن المناسب على قراءة من قرأ أن لم يؤمنوا بفتح أن حمل باخع على المضي بناء على حكاية الحال الماضية كأنه قيل لعلك بخعت نفسك لأجل عدم إيمانهم فجيء باسم الفاعل لتصوير تلك الحالة في ذهن السامع واستحضارها وعلى قراءة إن بالكسر حمل باخع على الاستقبال لأجل الشرط كأنه قيل لعلك تبخع نفسك الآن أو غدا إن لم يصدر منهم إيمان .

--> ( 1 ) لأنهما إذا قيل إنهما متغايران فإذا جمع بينهما يكون أحدهما على المجاز وقس عليه ما عداه .