اسماعيل بن محمد القونوي
9
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لإخلاله الربط بما قبله مع أن المتبادر ذم الكافرين بالكتاب ولم يخرجوا به من الظلمات إلى النور والوجوه الأول مشعرة بذلك وعلى الوجوه الأول فجملة أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ إبراهيم : 3 ] مستأنفة وقعت معللة لما سبق من لحوق الويل بهم تأكيد لما فهم من الموصول ولذا اختير الفصل على الوصل . قوله : ( أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة ) أومىء إلى أن البعد وصف للضالين أولا ثم صرح به بقوله والبعد في الحقيقة الخ ثانيا فوصف به فعله وهو الضلال أي أسند إليه إسنادا مجازيا إذ أصله بعيد في ضلاله فيكون بعيدا مما بني للفاعل وأسند إلى الفعول بواسطة حرف الجر وهذا مراد الكشاف بقوله هذا مثل جد جده وإلا فظاهر أن هذا ليس مثل جد جده وفي المطول تحقيق شريف . قوله : ( أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته ) وذلك الأمر الكفر معاذ اللّه والمعاصي غير الكفر والباء في به إما للسببية أو للملابسة أي الأمر الذي بسببه أو بملابسته حصل الضلال أي البعد عن الحق فلا إشكال بأن الكفر وسائر المعاصي عين الضلال نعم قد يطلق الضلال عليها مبالغة قال الفاضل المحشي يعني أن الضلال في المحسوس إنما يكون بالوقوع في مكان غير الصراط السوي وباعتبار بعد ذلك المكان عن الطريق يوصف الضلال بالبعد فكذا في المعقول يكون الضلال تارة بالوقوع في الكفر العياذ باللّه تعالى وتارة بالوقوع في المعاصي غير الكفر والكفر بعيد عن الإيمان فالضلال الكائن بالوقوع فيه قوله : فوصف به فعله للمبالغة وجه المبالغة فيه أنه أفاد أن البعد اشتد وبولغ فيه حتى تجاوز منه إلى فعله . قوله : أو للأمر عطف على للضال أي أو للعبد في الحقيقة للأمر الذي هو سبب الضلال فوصف المسبب بصفة السبب للملابسة بين السبب والمسبب فعلى التقديرين إسناد البعد إلى الضلال إسناد مجازي على منوال جد جده وفي الكشاف ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا وبعيدا فعلى هذا البعد صفة للمكان لا صفة الضال فيكون من باب وصف المحل بصفة الحال وتقرير هذا المقام أن أصل الكلام أنهم ضلوا عن طريق الحق ضلالا أي ضلال فاستعير له البعد فقيل بعدوا فيه فالبعد من صفتهم فوصف به الضلال الذي هو فعلهم ومتلبس بهم نحو طريق سائر وهو المراد من قوله فوصف به فعله أو ان الضلال كأنه مكان واسع ذو أطراف ومسافات وهو من باب الكناية المطلوب بها تخصيص الصفة بالموصوف لأن القرب والبعد مما يضاف إلى المكان فنبه به على أن محل الضلال محل ذو بعد والضلال معنى لا بد له أن يقوم بذات يكون هذا المحل مكانه ومستقره فهو مثل قول الشاعر : إن السماحة والمروة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج وأما قوله فيه بعد فهو تمثيل كأنه مثل الطريق المستقيم وصور أن العدول عن الجادة يمنة أو يسرة ضلالة وح تتفاوت الضلالات بحسب المعاصي والبدع والكفر وإلى التمثيل الإشارة بقوله لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا وبعيدا فالبدع مثل للضلال القريب والمعاصي للبعيد والكفر للأبعد .