اسماعيل بن محمد القونوي

50

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قيل الجزع حزن يصرف عما يراد فهو أبلغ من الحزن المفرط والمتبادر من الجزع فعل اللسان غايته أن منشأه الحزن المفرط ولذا يذم على الجزع في بعض المواضع دون الحزن الذي هو فعل القلب ( منجى ومهرب من العذاب من الحيص وهو العدول عن جهة الفرار ) . قوله : ( وهو يحتمل أن يكون مكانا كالبيت ومصدرا كالمغيب ويجوز أن يكون قوله سواء علينا من كلام الفريقين ) أي اسم مكان أي ليس لنا مكانا ننجو فيه من عذابه تعالى فإذا انتفى المكان المذكور لزم انتفاء النجاة على الكناية وهذا اللازم هو المقصود ولما كان الكناية أبلغ قدمه ورجحه ويحتمل أن يكون مصدرا ميميا أي ليس لنا نجاة وخلاص أصلا فلما كان المعنى الأول راجعا إلى هذا المعنى كما ذكرناه فمآل التوجيهين واحد قوله ويجوز أن يكون قوله سواء علينا من كلام الفريقين والظاهر من كلامه أنه رجح كونه كلام المستكبرين واتصاله بما قبله حينئذ من حيث إن عتابهم لهم كان جزعا مما هم فيه فقالوا لهم سواء علينا الخ . يريدون أنفسهم وإياهم كما في الكشاف يعني أن ضمير المتكلم عبارة عن الفريقين جميعا مع أن القائلين هم المستكبرون كما مر فحينئذ يكون فيه تغليب كأنهم قالوا سواء علينا وعليكم الخ فإن قول الضعفاء فهل أنتم مغنون وإن كان عتابا لهم لكنه جزع في نفس الأمر وظاهر أن المستكبرين في جزع شديد وحزن مديد لاشتراكهم في العذاب بل هم قدموه لهم في دار العقاب فقالوا لا فائدة في جزعنا كما لا فائدة في صبرنا ما لنا من محيص أو ضمير المتكلم عبارة عن ساداتهم فقط والمقصود ح إقناط الضعفاء كأنهم قالوا لهم سدودنا سبل النجاة إذ جزعنا وصبرنا مستويان في دفع العذاب فكيف يغني من هذا شأنه غيره نصيبا من النار وبهذا البيان اتضح وجه ارتباطه بما قبله كالعيان وإذا كان هذا كلام الفريقين جميعا مع أن المحكى كلام المستكبرين فيكون كقوله تعالى : ذلك ليعلم أني لم أخنه فإن ذلك ليعلم الخ مقول يوسف عليه السّلام مع أن المحكى قول امرأة العزيز وقد بين هناك وجهه وشيد أركانه وجه اتصاله بما قبله ح معلوم مما سبق وإذا كان فيه نوع تكلف أشار إلى ضعفه بقوله ويجوز الخ وبعض المحشيين ذهبا إلى أن المصنف رجح كونه من كلام الفريقين ولا يخفى أن مثل هذا الكلام شائع في التضعيف والتوهين ومنشأه قوله ويؤيده ما روي الخ . والخبر الآحاد لا يقاوم ما ذكرناه من التكلف الذي يصان عنه التنزيل حسبما أمكن وقد عرفت الوجه الصحيح بلفظه الصريح . قوله : ويجوز أن يكون قوله : سَواءٌ عَلَيْنا [ إبراهيم : 21 ] من كلام الفريقين أي من فريقي الضعفاء الاتباع والرؤساء المتبوعين وهو على الأول كلام الرؤساء قالوا هذا الكلام لمتبوعيهم الذين يعاتبونهم لمكان عقاب الاتباع لهم جزعا مما هم فيه قال لهم الرؤساء المتبوعون سواء علينا أجزعنا أم صبرنا وكان أصل الكلام والظاهر أن يقال سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم ما لكم من محيص لكن جمعوا أنفسهم معهم في التسوية بين الأمرين لاجتماعهم معهم في عقاب الضلالة وفيه أنا كيف نغني عنكم ذلك ونحن معكم فيه سواء ولو قيل على ما يقتضيه الظاهر لم يعده فهو من باب المجاز .