اسماعيل بن محمد القونوي

27

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [ نوح : 2 - 4 ] حيث ذكرت من مع ترتبه على الطاعة واجتناب المعاصي الذي أفاده اتقوا هذا التقرير بناء على ما ذهب إليه بعض لكن الصواب أن الخطاب للكافرين في هذه الآية كما أشار إليه المصنف هناك وأما النقض بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ [ الصف : 10 ] لعدم ذكر من مع ترتبه على الإيمان فجوابه ما أشرنا إليه من أن الكلام محمول على أغلب المقام على أن ترتبه على الإيمان وحده وهو المراد هنا غير مقطوع به في المرام . قوله : إذا لم يكن لهم ذنب فكيف يتصور في حقهم الغفران وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال لما جعل اللّه الإسلام في قلبي اتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت ابسط يمينك فلا بايعك فبسط يمينه قال فقبضت يدي قال ما لك يا عمر وقلت أردت أن اشترط قال تشترط ما ذا قلت إن يغفر لي قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها والحج يهدم ما كان قبله وهذا الحديث على اطلاقه ينافي صرف من في الآية إلى التبعيض قال التوربشتي اعلم أن الفضائل المرتبة بعضها على بعض مختلفة لا يجوز التسوية بينها في الحكم وذلك أن الإسلام يهدم ما كان قبله على الاطلاق مظلمة كانت أو غير مظلمة كبيرة كانت أو صغيرة وأما الهجرة والحج يكفران الصغائر والكبائر أيضا فيما لا يتعلق بحقوق العباد كما عرفنا ذلك من أصول الدين وروينا في سنن ابن ماجة عن ابن عباس بن مرداس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء فأجيب إني غفرت لهم ما خلا المظالم فإني آخذ للمظلوم منه قال أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشية عرفة فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل قال فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلم أو تبسم فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه ما الذي أضحكك اضحك اللّه سنك يا رسول اللّه قال إن عدو اللّه إبليس لما علم أن اللّه أجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت من جزعه قال صاحب الفرائد من زائدة للتأكيد كما هو مذهب الأخفش فيكون مبالغة واستغراقا في غفران الذنوب الماضية من الكفرة وغيره وذلك أليق بأهل الكفر حين دعوا إلى الإيمان والعمل الصالح ونقل عن الأصم أن من للتبعيض والمعنى أنكم إذا تبتم يغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر وأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة أقول على هذا يكون الغفران عاما لحقوق العباد أيضا وأما صرف من إلى معنى التبعيض فبالنسبة إلى الصغائر بمعنى ليغفر لكم بعض ذنوبكم وهو الكبائر سواء كانت من حقوق اللّه أو حقوق العباد فيدخل المظالم في حيز الغفران وأما الصغائر فليست من الذنوب التي يتعلق بها الغفران لأنها مغفورة في أنفسها قال الطيبي والذي يقتضيه المقام هو هذا لأن الدعوة عامة لقوله تعالى : قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [ إبراهيم : 10 ] كأنه قيل أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك والكفر والمعاصي أن اللّه يدعوكم إلى الإيمان ليطهركم من أخناس الذنوب فلا وجه للتخصيص بما بين العبد وبين مولاه وقد روه في التنزيل قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لكم ما قد سلف وما للعموم سيما في الشرط ومقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام مقام بسط لا مقام قبض فإن الكفار إذا اسلموا إنما يكون اهتمامهم في الشرك ونحوه لا في الصغائر يؤيده ما روي أن أهل مكة قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم اللّه لم يغفر له فكيف ولم نهاجر