اسماعيل بن محمد القونوي

98

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الموعد بنجاة أهله ) وفيه دفع إشكال بأن السؤال للاستعلام إنما يكون عما لا علم له فما وجه النهي عن سؤال ما ليس له علم وأجاب بأن المراد بما لا علم له عدم علم كونه صوابا فيحسن السؤال عنه أو خطأ فيحترز عنه لا عدم علمه ذلك الشيء فقط فإن السؤال عنه للاسترشاد في الأمور الدينية وغيرها حسن قال تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [ النحل : 43 ] والسؤال عما ليس بمعلوم إنما يحسن إذا كان السؤال عنه صوابا متضمنا لمصلحة بخلاف ما ليس كذلك فإنه ممنوع كما في شرعنا كالسؤال عن كنه صفاته تعالى وغيرها من غوامض العلوم والحكم التي يعجز عن إدراكها العقل والفهم والتمييز بين ما كان السؤال عنه حسنا وبين ما كان الطلب له قبيحا إما بالعقل أو بالشرع أو بالقرينة الحالية أو المقالية كما كان الحال هنا وهو الاستثناء . قوله : ( استنجازه في شأن ولده ) في شأن الولد أي طلب الإنجاز للوعد فيكون السؤال لا للاستعلام بل للطلب وهذا إذا كان النداء قبل الغرق . قوله : ( أو استفسار المانع للإنجاز في حقه ) عطف على استنجازه أي لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله استفسار المانع الإنجاز وهذا إذا كان النداء بعد الغرق فيكون السؤال للاستعلام وهو الظاهر المتبادر إذ قوله ما ليس لك به علم يلائمه وأيضا قول المصنف فيما سبق ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه يشير إلى أن الراجح كون هذا بعد غرقه وأما القول بأنه يؤيد الاستنجاز ظاهر اللفظ حيث لم يقل عما ليس لك به علم وعلى الثاني يكون من الحذف والإيصال وأصله عما ليس الخ ليس بتام إذ السؤال الطلبي كما يتعدى بنفسه يتعدى بعن أيضا كقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [ الأنفال : 1 ] الآية والسؤال الوعد ههنا قوله عز وعلا : قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [ هود : 40 ] وفي الكشاف فإن قلت لم سمي نداؤه سؤالا ولا سؤال فيه قلت قد تضمن دعاؤه معنى السؤال فإن لم يصرح به لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلا وغباوة ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين . قوله : أو استفسارا عطف على قوله لتضمن الوجه الأول ناظر إلى أن يكون هذا النداء قبل غرق ابنه والثاني على أن يكون بعده ثم قال الزمخشري فإن قلت قد وعده أن ينجي أهله وما كان عنده أن ابنه ليس منهم دينا فلما اشفى على الغرق تشابه الأمر عليه لأن العدة قد سبقت له وقد عرف اللّه حكيما لا يجوز عليه فعل القبيح وخلف الميعاد فطلب إماطة الشبهة وطلب إماطة الشبهة واجب فلم زجر وسمي سؤاله جهلا قلت إن اللّه عز وعلا قدم له الوعد بانجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح وأن كلهم ليسوا بناجين وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنى منهم فعوتب على أن يشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه وهذا الجواب هو الذي لخصه المص بقوله وإنما سماه جهلا إلى آخره وحاصله أن العتاب الذي عوتب به نوح عليه السّلام كان لأجل غفلته عما علمه من دلالة الاستثناء وايقافه على الحال .