اسماعيل بن محمد القونوي
75
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والمراقبة بالأعين أبلغ عن الحفظ بالعين والعينين ولما لم يتصور الأعين هنا حملها على التمثيل توضيحه أن وقاية اللّه تعالى صنعة الفلك عن الاختلال والزيغ والميل عن سنن السداد والمبالغة في الحفظ لا يتطرق عليه اختلال بوجه من الوجوه شبه بحراسة الحراس بإمعان العيون وكمال التيقظ في حفظ الشيء المحروس بحيث لا يظفر قاصده ولا يرام طالبه لكمال يأسه عن تناوله لكثرة حراسه فذكر اللفظ الموضوع للمشبه به وأريد به المشبه وهذا لكونه أبلغ اختاره المص ويمكن أن تكون العين كناية عن الحفظ وجمع الأعين للمبالغة فيه أو مجاز مرسل عن ذلك على تقدير اشتراط إمكان المعنى الحقيقي في الكناية . قوله : ( إليك كيف تصنعها ) عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه لم يدر كيف يصنعها فأوحى اللّه تعالى إليه أن يصنعها مثل جوجؤ الطير أي صدره . قوله : ( ولا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم ) فيهم أي في شأنهم ولأجلهم سواء كان تلك المراجعة بالخطاب أو بغيره في شأن استدفاع العذاب . قوله : ( محكوم عليهم بالإغراق ) أي مقضى عليهم بالإغراق ولما كان اسم الفاعل واسم المفعول مستعملين فيما تحقق فيه وقوع الوصف حقيقة كما قيل والمحقق في الحال الحكم بالإغراق لا نفس الإغراق قال رحمه اللّه محكوم عليهم الخ فيكون مجازا مرسلا بطريق ذكر المسبب وإرادة السبب ولو قيل شبه الإغراق في المستقبل بالإغراق في الماضي في تحقق وقوعه كما قيل في نظائره لكان أحسن وأولى . قوله : ( فلا سبيل إلى كفه ) إشارة إلى أن قوله : إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [ هود : 37 ] تعليل للنهي ولذا صدر بلفظة أن المفيدة لتأكيد النسبة ولما لم يكن سبيل إلى كفه وكان بقاؤهم على الكفر لازما لاستحالة انقلاب خبر اللّه تعالى كذبا وعلمه تعالى جهلا كما صرح به الإمام كان صدور الإيمان منهم محالا ومع ذلك أمروا بالإيمان فيلزم وقوع التكليف بالمحال والجواب أنه يمكن الإيمان منهم لكن بتعلق علمه تعالى بعدمه وعدم تعلق إرادته تعالى بإيمانهم كان ممتنعا وجواز التكليف بمثل ذلك ووقوعه مما اتفق عليه مشايخنا والتفصيل في علم الكلام فإن ادعى لزوم تكليف الجمع بين النقيضين بأن يقال إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون البتة كما جنح إليه الإمام فجوابه أنه يجوز أن لا يخلق اللّه تعالى العلم بالعلم فلا يلزم اجتماع النقيضين نعم هو خلاف العادة كذا قال مولانا الفاضل الخيالي في دفع إشكال تكليف أبي لهب بالإيمان ولا يخفى عليك بما فيه والذي يحسم مادة الإشكال هنا أن قوم نوح عليه السّلام لم يؤمروا بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون البتة بإنزال الصحف والكتاب الناطق بعدم إيمانهم على الإطلاق فمن أين يلزم اجتماع النقيضين حتى يحتاج إلى الاعتذار بخلاف أبي لهب ومن يحذو حذوه فإنهم أمروا بالإيمان بالقرآن مع أنه مذكور فيه أنهم لا يؤمنون فلزم ظاهرا اجتماع النقيضين فاحتاج إلى الجواب كبار المحققين .