اسماعيل بن محمد القونوي

71

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كلمت لم تطلق ) أورد الفاء لإفادة أن الجواب أعني لا ينفعكم نصحي للشرط الثاني وهو مع جوابه جواب للشرط الأول وليس الفاء للعطف بل الفاء الجزائية وهذا مقرر في كتب الفقه والنحو ولا نزاع فيه وإنما النزاع في كون هذه الآية من هذا القبيل إذ الآية الكريمة لم يتوال الشرطان بالفاء ولا بالواو بل يتواليان بدونهما كقول الرجل أنت طالق إن دخلت الدار المقدم مؤخرا نفتي بعدم وقوع طلاق المرأة فيما إذا قال الرجل أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيخا فدخلت ثم كلمت لأن تقديره إن كلمت زيد أفإن دخلت الدار فأنت طالق فحينئذ إن كلمت زيدا ثم دخلت الدار تطلق وأما إن دخلت الدار أولا ثم كلمت زيدا فلا تطلق لأن المعلق به تكلم زيد ثم دخول الدار فلا يقع الطلاق إذا خولف في الترتيب قال الإمام هذا الكلام جزاء معلق على شرط بعده شرط آخر وهذا يقتضي أن يكون الشرط المؤخر اللفظ مقدما في الوجود وذلك لأن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار كان المفهوم كون ذلك الطلاق من لوازم ذلك الدخول فإذا ذكر بعده شرطا آخر مثل أن يقول إن أكلت الخبز كان المعنى أن تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول هذا الشرط الثاني والشرط الثاني مقدم على الشرط الأول في الوجود فعلى هذان حصل الشرط الثاني تعلق الجزاء بذلك الشرط الأول أما إن لم يوجد المذكور ثانيا لم يتعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول هذا هو التحقيق في هذا التركيب فلهذا المعنى قال الفقهاء إن الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى والمقدم في اللفظ مؤخر في المعنى إلى هنا كلامه . قوله : وهو جواب لما أو هو أورد الكفار تلك الشبه التي هو قولهم : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا [ هود : 27 ] وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا [ هود : 27 ] وقولهم : وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ [ هود : 27 ] وأجاب عنها نوح عليه السّلام بالجوابات الموافقة الصحيحة أورد الكفار على نوح كلامين الأول أنهم وصفوه بكثرة المجادلة قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [ هود : 32 ] وهذا يدل على أنه عليه السّلام كان قد أكثر في الجدال معهم وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء وعلى أن التقليد والجهل والإصرار حرفة الكفار الثاني أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ هود : 32 ] ثم إنه عليه السّلام أجاب بجواب صحيح فقال : إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [ هود : 33 ] والمعنى أن إنزال العذاب ليس إلي وإنما هو خلق اللّه تعالى فيفعله إن شاء كما شاء وإذا أراد إنزال العذاب فإن أحدا لا يعجزه وهذا جواب لقولهم : فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [ هود : 32 ] وقوله : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي [ هود : 34 ] حواب لقولهم : يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [ هود : 32 ] فإن المفهوم منه إيهامهم أن جداله كلام بلا فائدة وتقرير كونه جوابا لقولهم ذاك أن معنى قوله : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي [ هود : 34 ] الآية معناه أن جدالي ونصحي في دعوتي إياكم إلى التوحيد وترك الاشراك باللّه وسائر العقائد الحقة أنفع لكم لكنكم لجهلكم بما ينفع لكم لا تقبلون نصحي ولا ينفعكم نصحي ثم أورد الشرطية على سبيل الاستئناف بيانا لسبب عدم نفع نصحه لهم وهو أنه تعالى يريد أن يغويهم فإذا أراد اللّه أن يغوي قوما بأن لا يريد إيمانهم فالدعوة وعدم الدعوة عندهم سيان سواء ادعوتموهم أم أنتم صامتون .