اسماعيل بن محمد القونوي
59
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كما في الوجه الأول وأن مآلهما واحد وهذا الوجه أوجه أما أولا فلأن لفظ المثل ظاهر فيه وأما ثانيا فلأن تشبيه الحال بالحال أبلغ في بيان المآل توضيحه أنه شبه حال هؤلاء الكفرة بالتعامي والتصام بحال من خلق أصم وأعمى لعدم انتفاعهم بحاسة السمع والبصر قيل فهو تشبيه مركب من جانب المشبه به لا المشبه كما ينبئ عنه لفظ المثل وهذا من بديع التشبيه وظرائفه الرائعة وهذا الوجه آثره الطيبي والحق معه ولا نظر لقول صاحب الكشف أن فيه بعد الآن الأعمى قد يهتدي بما سمع من الأدلة والأصم قد يهتدي بما يرى من الإشارة فمن كان أعمى أصم لا يقبل الهداية بوجه من الوجوه فهذا أبلغ وأقوى في التشنيع كما أشار إليه في الكشاف انتهى وأنت خبير بأن التعويل على ما جنح إليه صاحب الكشاف وأن المضاف أي المثل محذوف في جانب المشبه به أي مثل الفريقين كمثل الأعمى والأصم والبصير والسميع فيكون التشبيه تمثيليا بأن ينزع من حال الفريق الأول في تعاميهم وتصامهم ووقوعهم بسبب ذلك في العذاب المضاعف والخسران الذي لا خسران فوقه هيئة معقولة فشبه بهيئة منتزعة من حال من فقد حسي البصر والسمع معا فتخبط في مسلكه فوقع في مهاوي الردى والهلاك وتحير في وصول مقصده ولم يجد إليه سبيلا ولم يصادف إليه هاديا ويعلم منه توضيح حال الفريق الثاني فأي تشبيه أبلغ وأبرع منه وكيف يدعي أن ما آثره الطيبي أولى وأحرى مع أن قوله فهو تشبيه مركب من جانب المشبه به لا المشبه وجهه خفي هنا . قوله : ( والعاطف لعطف الصفة على الصفة ) أي العطف لتغاير الصفة التي تنزل منزلة تغاير الذات وهذا مراده لكن تسامح في العبارة وإلا فالعطف من قبيل عطف الذات على الذات بملاحظة تغاير الصفة . قوله : ( كقوله ) أي قول ابن زيابة التيمي أوله : يا لهف زيابة للحارث قوله : ( الصابح فالغانم فالآيب ) قوله يا لهف أي يا حسرة أبي لأجل هذا الرجل الصابح المغير في وقت الصباح الغانم من له غنيمة الآيب الراجع والشاهد عطف صفات موصوف واحد لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذات ولا فرق بين العطف بالواو والعطف بالفاء وهذا التوجيه على الاحتمال الثاني وأما في الاحتمالي الأول فعطف الذات على الذات . قوله : ( وهذا من باب اللف ) أي اللف التقديري الإجمالي مثل قوله تعالى : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 135 ] الآية فقوله : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ [ هود : 24 ] في قوة قوله : وهذا من باب اللف والطباق أما اللف فهو ذكر الفريقين والنشر هو قوله كالأعمى والأصم والسميع والبصير وإنما قدم الأعمى والأصم على السميع والبصير لأن الآيات الواردة في حال الكافرين وهي في قوله عز وجل : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ هود : 18 ] إلى آخر الآيات مقدمة في الذكر على الآية الواردة في شأن المؤمنين وهي قوله عز وعلا أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى آخرها وأما الطباق فإنه قويل البصير بالأعمى والسميع بالأصم .