اسماعيل بن محمد القونوي

56

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

هو الصواب وأن الباء سببية يعني أنهم خسروا بسبب تبديلهم الهداية بالضلالة والآخرة بالدنيا وضاع عنهم ما حصلوا بذلك التبديل من متاع الحياة الدنيا والرياسة فيكون هذا الوجه أعم من الأول انتهى والظاهر أن الفرق بين الوجهين بسبب اختلاف المعنى في ضَلَّ عَنْهُمْ لا في خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [ هود : 21 ] فإن معنى ضل في الضلال الأول ضلال الآلهة وشفاعتها وفي الثاني ضاع ما حصلوا من زخارف الدنيا والرياسة والجاه وغير ذلك وأما معنى خسروا في الوجهين متحد لكن تفنن في البيان وعبر في الأول بالاشتراء وفي الثاني بالتبديل . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 22 ] لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 22 ) قوله : لا جَرَمَ [ هود : 22 ] فيه ثلاثة أوجه الأول أن لا نافية لما سبق وجرم فعل بمعنى حق وأن مع ما في حيزه فاعله والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعل حق وثبت أنهم في الآخرة هم الأخسرون وهذا مذهب سيبويه والثاني أن جرم فعل أيضا لكن لا بمعنى حق بل بمعنى كسب وما بعده مفعوله وفاعله ما دل عليه الكلام أي كسب ذلك خسرانهم في الآخرة فالمعنى ما حصل من ذلك إلا خسرانهم والثالث أن لا جَرَمَ [ هود : 22 ] بمعنى لا بد أي لا فراق أنهم في الآخرة هم الأخسرون وسيذكر المص في سورة النحل في قوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [ النحل : 23 ] فيجازيهم وهو في موضع الرفع بجرم لأنه مصدر أو فعل . قوله : ( لا أحد أبين وأكثر خسرانا منهم ) هذا حاصل المعنى فإن اسم التفضيل يراد به التفضيل على المفضل عليه كما مثل أكثر أموالا وأولادا أو كيفا مثل أشد حمرة وبياضا والظهور لازم لكثرة الشيء وشدته فذكره أبين لذلك لا لأن صيغة التفصيل يدل عليه المسجد والدار إذا لم تهتد لهما والضال هو ما كانُوا يَفْتَرُونَ [ هود : 21 ] وقوله : ( أو خسروا ) بما بدلوا على أن ضل بمعنى ضاع والضال أي الضائع ما حصلوا بالافتراء من رئاستهم وغيرها من الأمور التي راموها بافترائهم . قوله : لا أحدا بين وأكثر خسرانا منهم معنى زيادة البيان والكثرة مستفاد من صيغة التفضيل في الْأَخْسَرُونَ [ هود : 22 ] ومعنى القصر مستفاد من توسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر ذكر صاحب الكشاف في تفسير سورة المؤمن في لفظ لا جَرَمَ [ هود : 22 ] وجوها ثلاثة أحدها أن لا نفي لما ظنوا وجرم فعل بمعنى حق وأن مع ما في حيزه فاعله المعنى لا ينفعهم ذلك الظن حق أنهم في الآخرة هم الأخسرون هذا مذهب سيبويه وثانيها جرم بمعنى كسب وأن مع ما في حيزه مفعوله والفاعل ما دل عليه الكلام أي كسب ذلك خسرانهم فالمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور خسرانهم وثالثها لا جَرَمَ [ هود : 22 ] بمعنى لا بد المعنى لا بد أنهم في الآخرة هم الأخسرون وفي الكواشي محل لا جَرَمَ [ هود : 22 ] رفع مبتدأ خبره أنهم في الآخرة لا جَرَمَ [ هود : 22 ] كانت في الأصل بمعنى لا محالة ولا بد فحولت إلى معنى القسم فصارت بمعنى حقا فلذلك يجاب عنها باللام تقول لا جرم لآتينك .