اسماعيل بن محمد القونوي
530
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مكر الذين الضمير لكفار مكة أي وقد مكر الذين من قبل كفار مكة بإبراهيم عليه السّلام كما مكر هؤلاء مكر نمرود بإبراهيم عليه السّلام ومكر فرعون بموسى عليه السّلام ومكر يهود بعيسى عليه السّلام ولم يكن إلا ما أراد اللّه تعالى دون ما مكروا وحال قومك كذلك وهذا تسلية لرسول اللّه عليه السّلام كقوله تعالى : لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [ الرعد : 32 ] الآية فلله المكر جميعا فبهذا القصر اكتفى عن بيان أن لا تأثير لمكرهم إلا أن يشاء اللّه شيئا وسع كل شيء علما وإلى هذا أشار المصنف بقوله إذ لا يؤبه لمكر الخ أي لا يعتد به لما ذكرنا وقد مر مرارا أن مكر اللّه استعارة أو للمشاكلة وغير ذلك اللام في المكر للجنس والاستغراق فلذا قيد بجميعا فمعنى القصر أن مكر غيره كالمعدوم لعدم قدرتهم على تنفيذه ما لم يشاء اللّه تعالى وقوعه وهذا ما اختاره المص وقيل معناه فلله جزاء المكر جميعا لكن الأول أظهر كما سيظهر يعلم ما تكسب أي يعلم علما يترتب عليه الجزاء وعن هذا قال المص فيعد جزاءها أي يهيىء جزاءها في الدنيا والآخرة أو الآخرة وحدها وإذا كان الجزاء منفهما من هذا القول لا حسن في حمل فلله المكر جميعا على معنى فلله جزاء المكر جميعا ثم المكر إيصال المكروه إلى الغير من حيث لا يشعر أو حيلة يجلب بها مضرة ولا ريب أن الأمم الماضية قد قصدوا إيصالهم المكروه معاينة لا مخادعة ففي مكر الذين تغليب . قوله : ( من الحزبين حيثما يأتيهم العذاب المعد لهم وهم في غفلة منه ) بيان لمن أي حزب المؤمنين وحزب الكافرين وهذا إخراج الكلام في صورة الانصاف المسكت للخصم المشاغب الألد إلا فعقبى الدار متعين للمؤمنين الأخيار حيثما يأتيهم أي متى يقع العذاب فحيث للزمان هنا كما نقل عن الأخفش والإتيان مستعار للوقوع وهم في غفلة منه الظاهر أنه حمل العذاب على عذاب الدنيا فحينئذ يكون السين لتأكيد وقوع ذلك ولا يبعد أن يحمل مراده على عذاب الآخرة قال تعالى : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [ الأنبياء : 1 ] ويمكن أن يكون مراده بالغفلة ما أريد بها في النظم الجليل وأيضا قال تعالى : لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [ الأعراف : 187 ] الآية أي فجأة على غفلة منها وهذا المعنى هو المناسب لأن يعلم عاقبة الدار . قوله : ( وهذا كالتفسير لمكر اللّه بهم ) فإن إمهاله تعالى وتوسيع نعمه عليهم وفتحه عليهم أبواب كل شيء ثم أخذهم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ الأعراف : 95 ] في صورة المكر فسمي باسمه وإنما قال كالتفسير لأن إتيان العذاب المعد لهم دلالة قوله وسيعلم الكفار على ذلك الإتيان التزامية لا مطابقية . قوله : وهذا كالتفسير لمكر اللّه لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها فهو المكر كله لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة مما يراد بهم .