اسماعيل بن محمد القونوي

48

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

على الدنيا ) أي همزة الاستفهام لإنكار أن يعقب أي لإنكار وقوع ذلك والتعقيب مستفاد من الفاء وكلامه يشير إلى أن الهمزة داخلة على المحذوف والفاء عطفت مدخولها عليه أي أمن كان مستبصرا أفمن كان على بينة وما يشعر كلامه من أن المعطوف عليه هؤلاء المقصرين حيث قال لإنكار أن يعقب من هذا شأنه هؤلاء المقصرين فإن هذا مؤدي العطف فليس بمراد ظاهره بل هو إشارة إلى حاصل المعنى كيف لا وهو مشبه به كما سيصرح به المص قوله المقصرين الخ قيل في هذه العبارة تقصير لأن قصر لا يتعدى بعلى واعتذر بأنه ضمن معنى القاصرين أو برفع هممهم على الابتداء وجعل الدنيا خبره أي قاصرة عليها حيث أرادوا بالبر والإحسان زخارف الدنيا . قوله : ( وأن يقارب بينهم في المنزلة ) عطف على أن يعقب وبيان معنى التعقيب إذ المراد إنكار تشابههما كما يدل عليه قوله وتقديره أفمن كان على بينة كمن كان يريد الخ وقد صرح به في مواضع عديدة منها في قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ الرعد : 19 ] الآية وقوله تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] الآية لكنه تفنن في البيان وسلك في غرابة من التبيان قيل أن يقارب مبنى للمفعول وبينهم قائم مقام الفاعل ولك أن تقول نائب الفاعل مصدره وبينهم ظرف له حاصله وأن تقع المقاربة بينهم . قوله : ( وهو الذي أغنى عن ذكر الخبر وتقديره أفمن كان على بينة كمن كان يريد الحياة الدنيا ) وهو أي إنكار التعقيب والمقاربة أي المماثلة أغنى عن ذكر الخبر فإن إنكار المماثلة يدل على الخبر المحذوف وقيام القرينة يصحح عدم ذكره مع جواز ذكره فاختير الحذف للإيجاز أو تخييل العدول إلى أقوى الدليلين ولذا قال وتقديره أفمن كان على الخ وليس مراده أن الخبر غير محتاج إليه لفظا ولا تقديرا وكيف يظن هذا مع أن الخبر مذكور في مثله كقوله تعالى : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [ الرعد : 19 ] الآية حيث صدر بالاستفهام الإنكاري داخلا على الفاء التعقيبية كما هنا مع أن المبتدأ الذي لا يحتاج إلى خبر مخصوص بمواضع فصلها النحاة ليس هذا منها فلا بد له من خبر لكن حذف لما ذكره فلا إشكال بأنه إذا أغنى عنه لا حاجة إليه لا لفظا ولا فمن كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم يريد أن بين الفريقين تفاوتا بعيدا وتباينا بينا وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد اللّه بن سلام إلى هنا كلامه يعني أن الفاء تستدعي معطوفا عليه وهو مقدر ههنا تقديره أمن كان فمن كان ولا بد من تقدير فعل ليصح المعنى أي أيذكر أولئك فيذكر هؤلاء أو يقال فيقال والهمزة لانكار هذا التعقيب وإليه الإشارة بقوله أي لا يعقبونهم ولا يقاربونهم ومنهم من يقول تقديره أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ [ هود : 17 ] كمن كان يريد الحياة الدنيا كقوله تعالى : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [ فاطر : 8 ] أي كمن هداه اللّه تعالى ولا بد أن يقال حينئذ الفاء لعطف هذه الجملة على حملة من كان يريد الحياة الدنيا والهمزة متوسطة بين المعطوف والمعطوف عليه للإنكار وعلى هذا ليس لتعقيب الفاء معنى بل لو ذكر الواو مكانه لكفى .