اسماعيل بن محمد القونوي

357

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

جبريل ولا حين هممت فقال ذلك ) ذكر هذا في كثير من التفاسير وفهم من قوله ولا حين هممت فقال ذلك إن الخيانة في وقت الهم متحقق فاعتذر عليه السّلام بهذا وقد حقق فيما سبق أن ذلك الهم ميل طبيعي لا يدخل تحت التكليف ولا يلام عليه بل حقيق بالأجر الجزيل والمدح الجميل من ترك المعصية مع وجود الهم المذكور فخبر الآحاد لا يقاوم القاعدة المذكورة قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار لا مساس له هنا بعد عدم دخوله تحت التكليف فالأولى أن يقال معنى ولا حين هممت ولا ميل منك حين هممت المفهوم من قوله لم أخنه بالغيب أي لم يكن الخيانة صادرة مني بالميل إلى ما دعتني فقال له جبريل ولا حين هممت . قوله : ( من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها وتستعمل القوى والجوارح ) فأشبه الآمر من تلك الحيثية إذ الأمر استعماله لها لكنه بالقول وفي الهم استعمال لها بالحمل عليه فقوله : لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] من قبيل التشبيه البليغ . قوله : ( في أثرها كل الأوقات ) إشارة إلى أن ما رَحِمَ [ يوسف : 53 ] مستثنى من عموم الأوقات كما نبه عليه بقوله إلا وقت رحمة ربي بناء على أن لفظة ما مصدرية حيثية وقيل يدل عليه صيغة المبالغة في أمارة وصيغة المبالغة دلالتها على العموم غير واضحة إذ المتعارف فيها المبالغة في الكيف ولو أريد المبالغة في الكم لدلت على الكثرة دون الكلية . قوله : ( إلا وقت رحمة ربي أو إلا ما رحمه اللّه تعالى من النفوس فعصم من ذلك ) فما بمعنى من واستعمال ما في ذوي العقول شائع إذا أريد به الوصف أي إلا المرحوم الذي رحمه اللّه تعالى من فضله فح يكون المستثنى منه النفوس فالتقدير المذكور لا يعتبر هنا بل التقدير هكذا أن جميع النفوس لأمارة بالسوء إلا المرحومين أخره مع أن المقصود حاصل قوله : قال جبريل ولا حين هممت أي لما قال يوسف ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي لم أخنه حال غيبتي عنه أو حال غيبته عني قال جبريل مستفهما أو لم تخنه حين هممت وقيل قالت راعيل حين قال جبريل ولا حين هممت ولا حين حللت تكة سرا ويلك فقال يوسف : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] أي أنها بحسب الطبع والجبلة . قوله : ميالة إلى المشتهيات لا يمكن دفعها عنها في بدء الأمر إذ لم يكن دفعها في وسع البشر وإنما العيار ثاني الحال فيقدم إليها من لم يقارنه التوفيق من اللّه تعالى ولم ينبعث من قلبه زاجر إلهي فالمعنى وما في وسعي أن ابرىء نفسي عن الهم إلى ما تشتهيه لأن النفس بحسب الفطرة والطبع ميالة إليه لا قدرة لي في دفع همها إليه في بدء الحال وإنما دفعته ببرهان من ربي سنح لي في ثاني الحال رحمة علي من ربي . قوله : إلا وقت رحمة ربي يريد أن الاستثناء في إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [ يوسف : 53 ] مفرغ وما في ما رَحِمَ [ يوسف : 53 ] دوامية أي مصدرية بتقدير وقت مضاف إلى ما رَحِمَ [ يوسف : 53 ] فالمعنى إن النفس لأمارة بالسوء في جميع الأوقات إلا وقت رحمة ربي فإنها لا تأمر بالسوء في ذلك الوقت .