اسماعيل بن محمد القونوي

35

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردهم واستهزائهم به ) من الأمر بعبادة اللّه وحده وحرمة الربا عليهم وغير ذلك من الخصال التي أراد بها الافتخار على سائر العرب وقد فصلها المصنف في سورة الإسراء في قوله تعالى : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [ الإسراء : 73 ] الآية . قوله : ( ولا يلزم من توقع الشيء لوجود ما يدعو إليه وقوعه لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسل عن الخيانة في الوحي والتقية في التبليغ مانعا ههنا ) إشارة إلى جواب إشكال بأن ترجى ترك التبليغ ولو بعضا مخافة الرد لا يناسب منصب النبوة بل غرض الدعوة ينتقض لأن كتمان بعضها يضيع ما أدى منها كترك بعض أركان الصلاة وعن هذا قال : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ المائدة : 67 ] الآية وتوضيح الجواب أنه لا يلزم من توقع الشيء وجوده لجواز أن يصرف عنه صارف وهو هنا عصمة الرسول عليه السّلام عن الخيانة ولا يخفى أن الإشكال بوقوع نفس الترجي منه عليه السّلام بوقوع المترجي بسبب الترجي وقد قال في سورة الإسراء في قوله تعالى : لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [ الإسراء : 74 ] وهو صريح في أنه عليه السّلام ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها الخ وظاهر أن ذلك الترجي فوق الهم وبقصد الإجابة فبين كلاميه تدافع واضح فالصواب حمل الترجي على توقع الكفار فإنه قد يكون لتوقع المتكلم وهو الأصل لأن معاني الإنشاءات قائمة به وقد يكون لتوقع المخاطب أو غيره ممن له تعلق وملابسة بمعناه كما هنا فالمعنى أنك بلغ أنهم يتوقعون ويرجون منك ترك بعض ما أوحي إليك حين اجتهدت في التبليغ والإرشاد حتى بلغت في نهاية من إزالة الفساد والقرينة كما قامت على عدم ترجي المتكلم وهو الأصل قامت أيضا على عدم ترجي المخاطب وتوقعه فيجب حمله على غيره والبعض حمل لعل هنا على التبعيد كقول العرب لعلك تفعل كذا لمن لا يقدر عليه فالمعنى لا تترك ولا تقدر الترك لعصمتنا إياك وعدم قوله : ولا يلزم من توقع الشيء جواب سؤال عسى يرد ويقال قوله عز وجل : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ [ هود : 12 ] يوهم أنه يترك تبليغ الوحي الواجب تبليغه وهذا لا يجوز على الرسل وتلخيص الجواب أنه لا يلزم من توقع الشيء وهو ترك تبليع الوحي هنا لوجود ما يدعو إلى تركه وهو مخافة ردهم واستهزائهم وقوع ذلك الشيء الذي هو الترك لجواز أن يوجد مع الرسول ما يصرف عن الترك ويمنعه وهو عصمة الرسول عن الخيانة فإن الرسل معصومون عن الخيانة في الوحي المأمور بالتبليغ وتركه خيانة فلفظ يكون في قوله لجواز أن يكون ما تصرف عنه تامة لا ناقصة وفي الكشاف كانوا يقترحون عليه آيات تعنتا لا استرشادا لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم ومن اقتراحاتهم لولا أنزل عليه أو جاء معه ملك وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به وبغير ما جاء من البينات فكان يضيق صدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يلقى إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فحرك اللّه منه وهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ [ هود : 12 ] .