اسماعيل بن محمد القونوي

33

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تحقق التنبيه المذكور ليس بواضح قال في سورة البقرة المس اتصال الشيء إلى البشرة بحيث تتأثر الحاسة به واللمس كالطلب له انتهى بينه وبين ما ذكر هنا نوع منافرة إذ الاتصال المذكور ليس بمختص بمبدأ الوصول ويمكن التوجيه بأدنى عناية . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 11 ] إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) قوله : ( على الضراء ) قيده لمناسبته لما قبله ولو قيل وعن الشهوات وعلى الطاعات لا يخل بالارتباط والانضباط . قوله : ( إيمانا باللّه تعالى واستسلاما لقضائه ) أي اعتقادا بأن تلك المضرة من عند اللّه تعالى إيجادا وإن فيها منفعة جسيمة وفائدة عظيمة في الدنيا أو في العقبى أو فيهما ونحن عبيده تعالى أوجب علينا الصبر عند المحنة والفتنة والشكر عند النعمة والكرامة وهذا معنى كونه إيمانا باللّه وإن أمكن حمله على إيمانا كاملا معتدا به بجميع ما يجب الإيمان به ولذا قال واستسلاما لقضائه أي لتقديره وحكمه بنزول تلك المحن علينا إذ الاستسلام والانقياد والرضاء من آثار ذلك الإيمان والإيقان . قوله : ( شكرا لآلائه ) إذ العمل الصالح يوجد به الشكر العرفي وهو صرف العبد جميع ما أنعم عليه إلى ما خلق له والكف عن المعاصي داخل في العمل الصالح على تفسير المص الصبر بالصبر على الضراء . قوله : ( سابقها ولاحقها ) أي ما أنعم اللّه تعالى أولا وثانيا أي في جميع أوقات عمره والمراد بلاحق النعم النعم التي أعطي العبد إياها عقيب النعم التي أعطي إياها قبل تلك النعم فالسابق واللاحق إضافيان ولو قال في قوله على الضراء سابقها ولاحقها لكان كلامه أحسن التئاما وأعلى سبكا ونظاما قال صاحب الكشاف : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ الشعراء : 227 ] فإن عادتهم إن نالتهم رحمة أن يشكروا وإن زالت عنهم نعمة أن يصبروا انتهى ظاهره أنه جعل صبروا كناية عن الإيمان وكذا عملوا الصالحات كناية عن الشكر وهو كناية عن الإيمان لكن جعل ما هو المذكور أولا ثانيا وثانيا أولا في الترتيب وجه ذلك قوله عليه السّلام : « الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر » وعدل عنه المصنف كما ترى وبالقبول أحرى والظاهر أن المراد بالموصول هنا المتقون وأما العصاة الموحدون فحالهم مسكوت عنها كما هو المشهور في نظائره قال أبو حيان في تفسير قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ [ الانشقاق : 10 ] الآية الظاهر من الآية أن الإنسان انقسم إلى هذين القسمين ولم يتعرض للعصاة الذين يدخلهم اللّه النار نقله مولانا سعدي في سورة الانشقاق ولا يخفى تأييد هذا ما ذكرنا هنا والبعض حمل ذلك على اعتبار الأغلب وأنه من شأنهم فلا يضر تخلفه في بعض الأفراد لذنوبهم . قوله : ( أقله الجنة ) أي أقله الجنة بلا سبق عذاب ونزول الحجاب بقرينة قوله مغفرة عظيمة لذنوبهم وهذا يؤيد أيضا ما ذكرناه من عدم التعرض للعبادة والتعبير بالذنوب لا يضر