اسماعيل بن محمد القونوي
325
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كأن قائلا قاله وهذا القول ليس بجواب عما سألا عنه على هذا الوجه الأخير فأشار إلى بيان كونه جوابا فقال كأنه أراد وإنما قال كأنه تحاشيا عن الجزم بالمراد وهذا عند السادات هو المعتاد . الإخبار بالغيب الخ وهذا على تقدير أن يرجع الضمير في بتأويله إلى الطعام وهو الوجه الثاني من احتمال رجع الضمير في بتأويله وفي الكشاف لما استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب وأنه ينبئها بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ويقول اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيجداه كما أخبرهما وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك وهذه طريقة على كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولا ويدعوه إلى ما هو أولى به وواجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده وغرضه أن يقتبس منه وينتفع في الدين لم يكن من باب التزكية إلى هنا كلامه قوله وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد أي جعل وصف نفسه بالعلم الفائق وسيلة إلى ذكر التوحيد وذلك أن الجواب عن فتواهم هو قوله : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً [ يوسف : 41 ] الآية لكن قدم عليه مقدمة الدعوة إلى التوحيد لأنه أول ما يجب على الأنبياء ولها بعثوا وبها أمروا فجعل قوله : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ [ يوسف : 37 ] إلى قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ مخلصا إلى قوله : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ [ يوسف : 41 ] إرباب متفرقون والمخلص هو الرابط بين الكلامين الأجنبيين فتعلقه بالجواب الذي هو قوله : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ [ يوسف : 37 ] الآية من حيث إن تأويل الأحاديث من المغيبات فهذا كالمقدمة له ليوطنا نفسيهما لقبول ما يرد بعده من الجواب وهو قوله : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما [ يوسف : 41 ] الآية وجعله مخلصا لمطلوبه وإيذانا بأن العلم بالمغيبات من المواهب التي اختصها اللّه بالمرتضين من الرسل والمخلصين من عباده وجعلت ذريعة إلى الشروع في اثبات التوحيد ونفي الشرك عن نفسه على سبيل الاستدراج وارخاء العنان لئلا يلبس له جلد النمر إذا ابتدأ بقوله : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ يوسف : 39 ] وادمج في المقدمة الرخصة في تزكية النفس عند الاحتياج ففي الجواب وهو قوله : قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ [ يوسف : 37 ] إلى قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ يوسف : 41 ] التخلص إلى نوحي المطلوب من اثبات التوحيد والنبوة والاستدراج إلى استماع الحق والادماج لمعنى التزكية هذا الذي ذكرناه هو تقدير كلام الكشاف فما أوجر كلام المص في هذا المقام حيث أدى معنى هذا الكلام المطيب بلفظ قليل هو قوله فقدم ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير والحاصل أنهما سألا تعبير رؤياهما وأجاب يوسف عليه السّلام بأنه عالم الغيب ثم قال إنه ذاهب إلى التوحيد ثم عرض التوحيد عليهما ثم أتى بجواب سؤالهما فهذا كأنه غير مطابق للسؤال فأراد التطبيق بقوله وكأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد لما وجد عند سؤالهما التعبير فرصة إلى مقصوده الذي هو دعوتهما إلى التوحيد وتقبيح الشرك أورد كلاما له مناسبة بين مقصوده وبين مطلوبهما الذي هو تعبير الرؤيا في كونه من باب الإخبار بالغيبة فإن الدعوة إلى التوحيد من لوازم النبوة وهي إما بالوحي أو بالمنامات الصادقة وكل منهما من باب العلم بالغيب وقوله : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ