اسماعيل بن محمد القونوي
317
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مرجح على الحب الطبيعي وهذا الإيثار منه عليه السّلام بناء على ما مر من انكشاف الحقائق عنده وظهور كل منها بصورته اللائقة بها فرأى الزنا بموجب ذلك الكشف والبروز على ما هو عليه في حد ذاته أقبح ما يكون وأضر ما يكون كأنه أسد صائل أو ذئب هائل وشاهد السجن لإيثاره على شهوته الشهية كأنه موضع كريم وإن كان محبسا لشخص لئيم فكان له معراجا وروحا كما أن التيه كان معراجا لموسى وهارون عليهما السّلام وروحا وراحة وكان عقوبة لقومهما ولا يستغرب من كشف له عادة اللّه تعالى مع المحبوبين والمحجوبين كما أن النيل ماء للواصلين دماء للغافلين والحمد للّه رب العالمين وإسناد الدعوة إليهن مع أن الظاهر الدعوة صادرة عن امرأة العزيز فقط . قوله : ( لأنهن خوفنه من مخالفتها وزين له مطاوعتها ) فيكونن سببا للدعوة فأسند إليهن مجازا فيكون جمعا بين الحقيقة والمجاز العقليين وادعى البعض أنه اتفاقي وفي كلام المصنف أيضا ذلك إذ التخويف والتزيين فعل ما عدا راعيل وقد أسند إليهن جميعا لكن عكس ما في النظم الجليل إذ الإسناد فيه حقيقة إلى راعيل ومجاز في غيرها وكلام المصنف بعكس ذلك . قوله : ( أو دعونه إلى أنفسهن ) فالإسناد فيهن جميعا على الحقيقة روي أن كلا منهن طلبت الخلوة لنصيحته في زعمها وحين خلت به دعته لنفسها وهذا بعيد جدا ولذا أخره ولم يرض به . قوله : ( وقيل إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا [ يوسف : 31 ] وإنما كان الأولى به أن يسأل اللّه العافية لأنهن خوفنه ) التعبير بالابتلاء بناء على الظاهر فلا ينافي ما ذكرنا آنفا وابتلاء في الجملة لكونه مانعا من الدعوة إلى التوحيد وإرشاد الخلق إلى الحق قرة عين أصحاب التفريد وبمعونة ذلك يكون هذا ترك دعوة العافية نسأل اللّه تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة وبهذا تحصل التلفيق بين هذا وبين ما ذكره القرطبي كما نقله البعض عنه من أنه لما قال : السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ [ يوسف : 33 ] أوحى اللّه إليه يا يوسف أنت جنيت على نفسك ولو قلت العافية أحب إلي عوقبت ومعنى أنت جنيت على نفسك أنت جنيت حيث اخترت السجن لصرف ذلك عن التبليغ والإرشاد مع أنه أهم لدفعه العناد والفساد . قوله : أودعونه بالجر عطف على مدخول لام التعليل في لأنهن فعلى هذا يكون الإسناد حقيقة . قوله : وإنما كان الأولى به أن يسأل اللّه العافية أقول المفهوم من كلامه هذا أن يوسف عليه السّلام ما سأل العافية ههنا وقد سألها بقوله : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [ يوسف : 33 ] فإن هذا الكلام هو الدعاء وسؤال العافية لقوله عز وجل : فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ [ يوسف : 34 ] فإن انصراف كيدهن عنه هو عين العافية من البلاء والفتنة .