اسماعيل بن محمد القونوي
314
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها كي يعاونها ) حيث قلن ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم وأردن بذلك أن هذا الجمال الرائق لا يصبر عليه فلا محالة يطلب المراودة فعرفت بمعونة ذلك أنهن يعذرنها كما عرفت أنهن عذرنها من قبل ولذا قال هنا يعذرنها وما سبق لعذرتنني بالماضي أو المضارع هنا بمعنى الماضي كي يعاونها بتشديد النون المدغم آخر الكلمة والنون المدغم فيه علامة الجمع . قوله : ( على إلانة عريكته ) هي مصدر ألان يلين من باب الافعال بوزن الإقامة العريكة بمعنى الطبيعة وأصلها السنام والمعنى المراد هنا تحويل طبيعته عن الامتناع وهو مجاز مشهور أو كناية وإيراد القسم لإفادة أن ما وقع منه لم تظنه كما قال الشيخ عبد القاهر في قوله تعالى : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى [ آل عمران : 36 ] فإن النسوة لا تنكرن المراودة ولا امتناعه عليه السّلام لكن مناط القسم الاعتصام وأفاء في فاستعصم للسببية والسين للطلب ولك أن تجعلها للمبالغة كقوله تعالى : وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [ نوح : 7 ] الآية وهذا أولى مما اختاره وفيه برهان ساطع على أنه لم يصدر عنه عليه السّلام ما يخل بعصمته حيت اعترفت من راودته كمال عصمته وتمام عفته ولا برهان نير فوق ذلك على فرط نزاهته وليت شعري كيف غفل عن هذا من ذهب إلى أنه حل الهميان وجلس مجلس الختان وغير ذلك من الخرافات والهذيان قيل في البحر الذي ذكره الصوفيون في استعصم أنه بمعنى اعتصم الظاهر أن العصمة لغة بمعنى الامتناع مطلقا وفي العرف ما أودعه اللّه تعالى فيه بما يمنع عن الميل إلى المعاصي كما للأنبياء عليهم السّلام ومرادها الأول انتهى أراد دفع البحث للفاضل المحشي وأنت خبير بأن الفرق هو المراد فلا يصار إلى غيره . قوله : ( ما أي آمر به فحذف الجار ) أي بقولها هيت لك بمعنى أقبل كما قدمه هناك وإن كان تهيأت ماضيا فالأمر إما مستفاد من الفحوى أو لأمر صريحا بغير هذا اللفظ وأشار به إلى أن ما موصولة والضمير عائد إليه وأصله ما آمر به فحذف الجار واتصل الضمير ولما كان هذا شائعا في أمر كقوله مرتك الخير فافعل ما ائتمرت به فالمفعول المأمور وهو هنا يوسف عليه السّلام محذوف لظهور القرينة على أنه مراد فحذف احترازا عن العبث ولم يعكس لأن مقصودها حصول ما أمرت به من المواقعة والمباضعة قيل قال ابن منير في قوله : على إلانة عريكته أي على جعل طبيعته لينته نحوها لئلا يشتد شكيمته في الإباء عنها . قوله : فحذف الجار أي فحذف الجار من به وأوصل الفعل إليه أقول مثل هذا الحذف والايصال سماعي لا يصار إليه إلا فيما هو مسموع من كلام العرب والأولى عندي أن الضمير راجع إلى يوسف والراجع إلى الموصول محذوف تقديره ما آمره به أي ما آمر يوسف به ومثل هذا شائع في الاستعمال هذا الوجه على أن يكون ما في ما آمره موصولة وأما قوله أو أمري إياه على أنها مصدرية فحينئذ يحتاج إلى التأويل لأن الفعل المطلوب ليس منه أمرها بل هو موجب أمرها وهو المواقعة معه فعلى هذا يكون ضمير المفعول في آمره ليوسف بخلاف الوجه الأول المبني على الحذف والإيصال فإن الضمير حينئذ عائد إلى الموصول .