اسماعيل بن محمد القونوي
23
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فيشملها وما فيها ويجعل الأرض مجازا عن السفليات فيشملها وما فيها انتهى واختيار لفظة ما إذ كلمة ما تستعمل متناولا للأنواع كلها عاقلة أولا فهي أولى بإرادة العموم أو تغليبا لغير العقلاء لكثرته ولو قال ومن فيهن تغليبا للعقلاء كما في رب العالمين لكان أولى . قوله : ( وجمع السماوات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات ) أي طبقاتها مختلفة بالذات فبعضها من فضة والآخر من ذهب فمن زبرجد ومن ياقوت فللتنبيه على ذلك جمعت بخلاف السفليات والأرضين فإن طبقتها متحدة بالذات وبالحقيقة فكأنها أرض واحدة فللإشعار بذلك لم تجمع وإن نطر إلى تعددها كطبقات السماء حسن الجمع فذلك جمعت في الحديث الشريف وذهب البعض إلى أن الأرض ليست طبقات متفاصلة بينها مسافة وإن المراد من قوله تعالى : وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] الآية الأقاليم السبعة فحينئذ عدم الجمع واضح هذا وإن كان مرجوحا لكن لم يبق به قطعية المسألة حتى لا يكفر جاحده وقدم السماوات لشرفها وعلو مكانها قال المص في أوائل سورة الأنعام ولتقدم وجودها انتهى وفيه بحث قد أوضحناه هنالك حاصله أن الصحيح تقدم وجود الأرض . قوله : ( قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما ) أي قبل خلق السماوات والأرض ومن فيهما هذا القيد مستفاد من صيغة المضي إذ ماضويته بالنسبة إلى الحكم المتقدم لا بالنسبة إلى التكلم سواء كان جملة وكان عرشه معطوفة أو حالية بتقدير قد وهذا الأخير هو الظاهر في إفادة القبلية وهذه الحال من قبيل جاءني زيد والشمس طالعة والمعنى وهو الذي خلق السماوات والأرض حال كونهما متقارنين لكون عرشه على الماء قبل خلقهما وقوله قبل خلقهما إشارة إلى ذلك الربط لم يكن حائل بينهما قيل قال الأصم هذا كقولهم السماء على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقا بالآخر ويكون معنى قول المص لم يكن بينهما حائل محسوس فإن بين السماء والأرض حائلا هو الهواء لكن لما لم يكن محسوسا لم يعد حائلا انتهى الظاهر فإن بين العرش والماء حائلا وهو الهواء فحينئذ يرد عليه المنع بأنه لم لا يجوز أن لا يكون الهواء مخلوقا في ذلك الحين والزمان . قوله : ( لا أنه كان موضوعا على متن الماء ) قيل ليت شعري ما المانع من إرادته انتهى يشير كلامه إلى أن المانع تقدم العرش في الخلق على الماء وبقي على ما كان قبل خلق الماء والقول بأنه بعد ما خلق الماء جعل ملصقا به يحتاج إلى البيان والمسألة ليست قطعية والأحرى عدم التعرض لمثل هذا لعدم الدليل القاطع عليه وليس من ضروريات الدين . قوله : ( واستدل به على إمكان الخلاء ) أي الخلاء الموهوم كما ذهب إليه المتكلمون قوله : واستدل به على إمكان الخلا لدلالة الآية على أن العناصر الثلاثة التي هي النار والهواء والأرض ما كانت موجودة وقت خلق العرش والماء فلزم أن يكون محال تلك الثلاثة خلاء .