اسماعيل بن محمد القونوي
19
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
من المشركين بإشارة إلى مقدمة كلية وهي أنه تعالى عليم بالأسرار كلها فهو عليم بأسرارهم ولذا صدر الكلام بكلمة إن . قوله : ( بالأسرار ذات الصدور ) أي الموصوف محذوف وذات الصدور كناية عن تمكنها وتقررها فيها كأنها ملكت الصدور وصارت صاحبتها . قوله : ( أو بالقلوب وأحوالها ) أي المراد بذات الصدور القلوب لكونها وعاء للقلوب قال تعالى : وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] ولما كان العلم بالقلب مستلزما للعلم لأحوالها قال وأحوالها إذ محط الفائدة ذلك العلم أو العلم بالقلوب مجاز عن العلم بأحوالها والقلب مجاز عن الأحوال بعلاقة الحلول . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 6 ] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 6 ) قوله : ( غذاؤها ومعاشها ) بكسر الغين المعجمة والذال المعجمة مطلق الطعام وأما الغداء بفتح الغين المعجمة والدال المهملة فالطعام الذي يؤكل في وقت الصباح ومعاشها عطف تفسير له تنبيها على التعميم والمراد بالدابة معناها اللغوي وهو ما يدب على الأرض باتفاق المفسرين هنا لا المعنى العرفي واحتج بهذه الآية أهل السنة على أن الحرام رزق وقد أوضحه المصنف في أوائل سورة البقرة حاصله لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به مرزوقا وهو مخالف لهذه الآية وحديث عمرو بن قرة وهو قوله عليه السّلام : « لقد رزقك اللّه طيبا فاخترت ما حرم اللّه عليك من رزقه مكان ما أحل اللّه لك من حلاله » يدل على مذهبنا والمعتزلة قالوا إنه ليس برزق ودليلهم مع جوابه مذكور في أوائل سورة البقرة ثم إن المراد به ما يسوقه اللّه تعالى إلى كل حيوان فيأكله كما هو الظاهر يرد الإشكال بحيوان هلك قبل أن يرزق شيئا والجواب أن المراد كل حيوان يحتاج إلى الرزق ولا يستغنى عنه يرزقه اللّه وما ذكر ليس كذلك وأما الإشكال بحيوان احتاج الرزق ولم يصل الرزق إليه فمات جوعا مدفوع أما أولا فبأنه غير مسلم وجوده ومادة الإشكال لا بد من وجوده وأما ثانيا فبأن المراد كل دابة كان مرزوقا فرزقه إنما هو من اللّه تعالى لا من غيره لا أن كل دابة مرزوقة إذ الآية لا تدل عليها بل دلت على أن رزقها المسوق إليها إنما هو من اللّه تعالى فقط وإضافة الرزق إلى الدابة ترشدك إلى ذلك فاضمحل الإشكال بأسره . قوله : ( لتكفله إياه تفضلا ورحمة وإنما أتى بلفظة الوجوب تحقيقا لوصوله ) أي قوله : أو بالقلوب هذا على أن يراد بالذات عين الشيء والوجه الأول على أن يكون بمعنى الصاحب فإن الأسرار لتقررها في الصدور كانت كأنها صاحب الصدور . قوله : وإنما أتى بلفظ الوجوب أراد بلفظ الوجوب كلمة على يعني إذا كان الرزق تفضلا من اللّه تعالى كان ذلك لا على سبيل الوجوب فما كان معنى كلمة على في عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] فلا بد في استعمال كلمة الوجوب في مقام التفضل والرحمة من نكتة فبين النكتة