اسماعيل بن محمد القونوي
176
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والميزان ونهيي عن المنكر كالنهي عن البخس والتطفيف والقصر هنا إضافي وتخصيص الإصلاح بهم من مقتضيات المقام ولو أطلق كما في النظم الجليل لكان أوفى بالمرام فإنهم يدخلون دخولا أوليا في نظم الكلام . قوله : ( ما دمت أستطيع « 1 » الإصلاح فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم عنه ) أي مفعول استطعت محذوف والقرينة على التعيين ظاهرة والتعبير بالمضارع للاستمرار وجه التعبير بالماضي في النظم الشريف لإفادة دوام الاستطاعة كما صرح به وقال ما دمت أستطيع فلو وجدت أي عرفت أو صادقت وفيه مبالغة فيما أنتم عليه من عبادة الأوثان والبخس عن الكيل والميزان لما نهيتكم عنه والأمر بعبادة اللّه تعالى وحده نهي عن عبادة الأوثان والأصنام أو مستلزم له . قوله : ( ولهذه الأجوبة الثلاثة ) أي قول شعيب عليه السّلام أرأيتم إلى هنا لأنه جواب عما أنكروه وقد عبر عنه بالاعتذار فيما سبق وهنا عبر عنه بالجواب وهو الصواب . قوله : ( على هذا النسق شأن ) أي على هذا الترتيب ولهذا الترتيب مدخل تام في كونها جوابا بديعا وشأنا عجيبا وإن كان لها في نفسها نباهة عظيمة . قوله : ( وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعى في كل ما يأتيه ويدره أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق اللّه تعالى ) أي لا بد أن يراعي أحدها سواء كان وحده أو مع غيره من الحقين الباقيين ولا يراد ظاهره من أن الواحد مراعاة أحد حقوق فقط فإنه لا يكون استقامة ولو اعتبر فيه عناية أهمها وأعلاها حق اللّه وهو قوله : إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً [ هود : 88 ] فإنه بيان لحق اللّه تعالى من شكر نعمته الذي عبارة عن التوحيد في العبادة والاجتهاد في القربة والطاعة وحق اللّه تعالى بهذا المعنى مقدم على غيره من الحقوق ولا يضره تقدم حق العبد على حق اللّه تعالى في بعض المواضع لاحتياج العبد وغنى الرب . قوله : ( وثانيها حق النفس ) وهو ما أشير إليه بقوله وما أريد أن أخالفكم فإنه بيان حق نفسه من كفها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره حتى لا يدخل تحت قوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ [ البقرة : 44 ] الآية وإباحة ما ينبغي أن ينتهي عنه غيره كإباحة تزوج ما فوق قوله : ما دمت أستطيع يريد أن ما في ما استطعت دوامية والأصل فيه أن ما مصدرية تجعل الفعل الذي دخلت عليه بمعنى المصدر مقدرا قبلها وقت كما في آتيك خفوق النجم أي وقت خفوقه فالمعنى هنا وقت استطاعتي والمصدر موضوع للحقيقة من حيث هي فيشمل جميع أفراده التي يقع كل واحد منها في وقت وزمان فلذا يستفاد منه معنى الدوام فقوله وما مصدرية واقعة موقع الظرف مشير إلى ما ذكرنا في تحقيق معنى الدوام المستفاد من لفظ ما .
--> ( 1 ) قوله ما دمت أستطيع وهذا القيد للاحتراز عن وقت العجز إما بعدم التمكين منه تعالى وبفقد من يصلح أو غير ذلك .