اسماعيل بن محمد القونوي

168

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

عن الشيء أمر بضده إذا فوت عدم الضد المقصود بالنهي وهنا كذلك فما السبب في ذكره صريحا مع أنه اطناب جزما . قوله : ( مبالغة وتنبيها على أنه ) أي مبالغة في الزجر والنهي والمنع عن البخس والنقصان وترغيب في اتمام الكيل والميزان وتنبيها على أنه وجه تحقق التنبيه بذلك أن صريح الأمر بعد كونه مستفادا من النهي اطناب ولا بد له من داع وهو ههنا التنبيه المذكور بمعونة المقام . قوله : ( لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف ) إذ هذا الكف وحده لا يخلو عن وقوع النقصان بل يلزم السعي في الايفاء فيه تنبيه على أن الأصل في الأمر الوجوب وإشارة إلى فائدة قوله : أَوْفُوا [ هود : 85 ] وحاصل الجواب أن في التصريح بالقبيح نعيا على المنهي وتعبيرا له ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن مصرحا بلفظه تنبيها على أنه لا يكفيهم الكف عن قصد التطفيف بل يلزمهم السعي في الإيفاء وفيه ترغيب في الإيفاء وحث عليه أيضا وفي الكشاف فإن قلت النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله : أَوْفُوا [ هود : 85 ] قلت نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان لأن في التصريح بالقبيح نعيا على المنهي وتعبيرا له ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحا بلفظه لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه وجيء به مقيدا بالقسط أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان أمرا بما هو الواجب لأن ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه وفيه توقيف على أن الموفى عليه أن ينوي بالوفاء للقسط لأن الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل فهذه ثلاث فوائد أي في الاتيان بقوله : أَوْفُوا [ هود : 85 ] وعدم الاقتصار على النهي عن النقصان ثلاث فوائد الأولى زيادة الترغيب والثانية بيان الواجب وأن الزيادة فضل والثالث الإشعار بأن العدل مطلوب لذاته وهذه الفائدة الأخيرة مدمجة في الكلام ولهذا قال وفيه توقيف الخ قال صاحب الانتصاف لمن قال إن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده أن يستدل بهذه الآية وإلا لكانت تكرارا وفي كلام الزمخشري وهم فإنه ظن أن النهي قبل الأمر بالوفاء وهي غفلة منه قال الطيبي وهم صاحب الانتصاف لأن جوابه بقوله نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه لأجل التصريح بالقبيح ليكون تعييرا ثم ورد الأمر ثانيا لزيادة ترغيب فيه يدل على أنه ليس من باب قولهم النهي بالشيء أمر بضده وإنما هو من باب التأكيد والتذييل مبالغة ففي الأول تصوير قبح القبيح وفي الثاني اظهار حسن الحسن وأقول إنه إذا كان من باب التأكيد يلزم أن يستفاد معنى الأمر ضمنا من النهي السابق وإلا لم يكن تأكيدا لأن التأكيد ذكر الشيء مرة بعد أخرى فجعله من باب التأكيد هو قول بأن النهي عن الشيء أمر بضده فاعتراض صاحب الانتصاف وارد لا محالة والدفع المذكور لا يصلح دفعا له قال الإمام ليس لقائل أن يقول النهي ضد الأمر فكان التكرار لازما لأنا نقول إنه تعالى جمع بين الأمر بالشيء وبين النهي عن ضده للمبالغة كما تقول صل قرائبك ولا تقطعهم فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد فسؤال صاحب الكشاف لرد ذلك المذهب واختلف العلماء في هذه المسألة اختار إمام الحرمين والغزالي أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده ولا يقتضيه وقال القاضي أبو إسحاق إنه نهى عن ضده وإليه ذهب الإمام والقاضي في المصباح وقال القاضي أبو إسحاق والنهي كذلك يعني النهي عن الشيء أمر بضده وكذا يقتضيه عقلا لأن النهي طلب فعل الضد فيكون أمرا بالضد .