اسماعيل بن محمد القونوي

166

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( علة النهي ) أي علة لما يستفاد من النهي كونه علة على الوجهين الأولين ظاهر وأما على الثالث فلأن المعنى إن ترك البخس والنقصان واجب عليكم لأني أريكم بخير فلو لم تجتنبوا عن ذلك لزال ذلك الخير عنكم . قوله : ( لا يشذ منه أحد منكم ) لا يخرج ولا يخلو منه أي العذاب أو اليوم أحد همزته أصلية فيفيد الاستغراق قوله منكم مستفاد من قوله عليكم وهذا عطف على قوله إني أريكم فيكون هذا أيضا علة للنهي والتأكيد بإيراد الجملة الاسمية وحرف التحقيق للمبالغة في وقوع مضمونها وفي جعل الخبر جملة فعلية مع كون فعلها مضارعا تقوية الحكم وقصد الاستمرار التجددي . قوله : ( وقيل عذاب مهلك من قوله : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [ الكهف : 42 ] ) أي الإحاطة مستعارة للاهلاك مأخوذ من أحاط به العدو فإنه إذا أحاط به غلبه وإذا غلبه أهلكه فعلى هذا يجوز أن يكون مجازا مرسلا وجعل محيط بمعنى مهلك وصفا للعذاب لأنه وصف له حقيقية وإن جعل وصفا لليوم للملابسة وسيأتي . للحكم السابق وهو النهي عن النقص في الكيل والوزن فهو علة النهي في الجملة أي على كل وجه من الوجوه الثلاثة المذكورة لبيان معنى الخير فمعنى التعليل على الوجه الأول أنهاكم عن البخس في المكيال والميزان لأن لكم غنى يمنعكم عن البخس لأن الباعث لنقص حقوق الناس الفقر وليس فيكم ذلك وعلى الثاني أنهاكم عن البخس والنقص لأن عندكم ما حقه أن يبذل ويتفضل على الناس فكيف أن تنقصوا حقوقهم وتأخذوها وعلى الثالث أنهاكم عنه لأن عندكم غنى وسعة في النعمة شأنها أن تقيدوها بشكره ولا تزيلوها بالكفران بارتكاب جريمة البخس فكأنه قيل لا تنقصوا المكيال والميزان لئلا يزول بذلك ما في أيديكم من النعمة والحاصل أنه فسر الجزاء أولا بالثروة والغنى وثانيا بالنعمة المطلقة ثم إن النعمة أما أن يوجب الأمر بالشكر وهو المراد بقوله حقها أن تتفضلوا على الناس شكرا أو النهي عن الكفران وهو المراد من قوله فلا تزيلوها بما أنتم عليه . قوله : لا يشذ أحد منكم هو لازم معنى الإحاطة فإن العذاب إذا أحيط بقوم لا ينجو أحد منهم عنه بأن ينفرد على سائر القوم لامتناع انفراده عنهم حينئذ . قوله : من قوله : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [ الكهف : 42 ] وأصله من إحاطة العدو أي الإغارة في الصبح كقوله عز وجل : فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً [ العاديات : 3 ] قال الراغب الإحاطة على وجهين أحدهما إحاطة الأجسام نحو أحطت بمكان كذا والثاني في المعاني إما في العلم نحو قوله تعالى : أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [ الطلاق : 12 ] وهو أن يعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيته وغرضه المقصود به وبإيجاده وما يكون به ومنه وذلك ليس إلا اللّه تعالى وقال صاحب موسى : وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا تنبيها على أن الصبر التام إنما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء علما وذلك صعب إلا بفيض إلهي وأما في القدرة قال اللّه تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] ومن ذلك قوله تعالى : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [ هود : 84 ] قوله والمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال من تتمة الوجه الثاني وهو أن يراد بالإحاطة الإهلاك فإن كلا من عذاب يوم القيامة وعذاب الاستئصال من تتمة الوجه الثاني وهو أن يراد بالإحاطة الإهلاك فإن كلا من عذاب يوم القيامة وعذاب الاستئصال موصوف بالإهلاك .