اسماعيل بن محمد القونوي

146

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها كذا نقل عن المص في شرح المصابيح ولذا قال هنا قدره بمقتضى قضائه الأزلي يعني أن للصفة الإرادة الإلهية تعلقا قديما بوجود الأشياء في أوقاتها المخصوصة فيما لا يزال وتعلقا حادثا به في وقت وجوده بالفعل والقضاء هو التعلق القديم ولذا وصف المص بالأزلي والقدر التعلق الحادث لا أن القضاء هو نفس الإرادة كما يوهمه ظاهر كلام المص كذا قيل والمص صرح به في قوله تعالى : وَإِذا قَضى أَمْراً [ البقرة : 117 ] الآية من سورة البقرة كون القضاء عبارة عن تعلق الإرادة لكنه لم يقيده بالأزلية وغاية الأمر أنه تسامح في شرح المصابيح وفي شرح المواقف أطلقه على نفس الإرادة وله معان كثيرة تبلغ ستة ذكرناها في تفسير قوله تعالى : وَإِذا قَضى أَمْراً [ البقرة : 117 ] الآية ولا يخفى أن القضاء قد يستعمل في تعلق الإرادة الحادث كما في قوله تعالى : وَإِذا قَضى أَمْراً [ البقرة : 117 ] وقد يستعمل القدر والقضاء في معنى واحد وقيل في الفرق أن القدر هو التقدير والقضاء هو التفصيل فهو أخص ومثل هذا بأن القدر بمنزلة ما أعد للبس والقضاء بمنزلة اللبس كذا نقل عن الراغب وقال بعض العارفين أن القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب وكل إناء يترشح بما فيه قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [ البقرة : 60 ] بما لديه وعن هذا تشعبت الآراء واختلفت الأهواء . قوله : ( وهو أعلم بحالهم ) وهذا القول على ما سيجيء من قوله مصروف بجدال الخ يلائم كون الجدال لرفع العذاب عنهم وكأنه إشارة إلى وجه آخر غير ما ذكره بقوله وجداله إياهم قوله : إِنَّ فِيها لُوطاً [ العنكبوت : 32 ] الخ ( مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك ) . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 77 ] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) قوله : ( ساءه مجيئهم لأنهم جاؤوا في صورة غلمان فظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم ) ساءه مجيئهم أي أحزنه أي إن ساء يكون لازما بمعنى قبح وقد يكون متعديا كما في النظم هنا ولذلك بني للمفعول والضمير في سئ للوط عليه السّلام والباء في بهم للسببية أشار إلى ذلك في سورة العنكبوت حيث قال جاءته المساءة والغم بسببهم قوله ساءه مجيئهم الإسناد مجاز عقلي أي أوجده اللّه تعالى المساءة والغم عند مجيئهم وفي كلامه إشارة إلى أن السبب مجيئهم وإنما جعل ذواتهم سببا للمبالغة قوله : مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك قوله بجدال ناظر إلى يجادلنا وقوله ولا دعاء ناظر إلى معنى منيب فإن من أناب إلى اللّه تعالى ينيب إليه للدعاء والتضرع قوله ولا غير ذلك ناظر إلى معنى التأوه المدلول عليه بأواه أي ولا يدفع عذاب اللّه المقدر لهم أيضا بالتحسر والتحزن عليهم . قوله : ساء مجيئهم ساء يستعمل لازما ومتعديا وههنا قد استعمل متعديا ففي سئ ضمير راجع إلى لوط أي أصابته مساءة بسبب مجيئهم قال الإمام ساء يسوء لازم ومجاوز يقال سوءته فسيء مثل شغلته فشغل وسررته فسر .