اسماعيل بن محمد القونوي
115
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وضمير عليه راجع إلى المعنى المفهوم من الفحوى وهو عدم قدرتهم على ضره ما لم يرد اللّه إياه وكلهم مقهورون تحت قدرته وإرادته والتوكل عليه ناج عن كل مخافة وشدة . قوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [ هود : 56 ] الدابة ما يدب في الأرض شامل لكل ذي روح سواء كان في فوق الأرض أو في جوفه وسواء كان من الجن أو الإنس ولا يبعد أن يقال إنه شامل للطيور بل الملائكة أيضا بأن يراد بالدابة ما يدب ويتحرك ويترك قيد في الأرض وبملاحظة هذا العموم يتضح البرهان في العقول والأذهان . قوله : ( يصرفها على ما يريد بها ) أي يقلبها كيف ما شاء . قوله : ( والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك ) والناصية مقدم الرأس ويطلق على الشعر النابت فيها وناصيته بيده عبارة عن الاستيلاء والاستعلاء والتسلط قوله تمثيل لذلك أي إلا هو آخذ بناصيتها استعارة تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة عن قدرته تعالى بجميع الممكنات ومالكيته لها وقهره كيف ما يشاء ويختار بالهيئة المنتزعة بأخذ شخص بناصية شخص آخر واستيلائه عليه وتمكنه بتصرفه حسبما أراده فذكر اللفظ الموضوع للمشبه بها وأريد الهيئة المشبهة وجه الشبه الهيئة المنتزعة من الاستيلاء وعدم التخلص والحصول في قبضة قدرة بحيث لا يكاد أن ينجى . قوله : ( أي أنه على الحق والعدل ) أي إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] استعارة لكونه على الحق والعدل إذ العدل هو التوسط في الأمور مصونة عن طرفي الافراد والتفريط والصراط المستقيم هو الطريق السداد الذي هو مأمون عن الاعوجاج . قوله : ( لا يضيع عنده معتصم ) فهو عليه السّلام ممن يعتصم فلا يضيع ولا يحيق به مكروه غير ما أراده . قوله : ( ولا يفوته ظالم ) أي لا يخلص من أخذه بالفرار أو بالاختفاء فعلم منه أن قوله تعالى : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] من تتمة البرهان وفي قوله : إِنَّ رَبِّي [ هود : 56 ] دون القول وربكم كما قال أو لا تلويح إلى أن لطفه تعالى مختص به دونهم . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 57 ] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا الفاء لكون ما قبلها سببا للإخبار عما بعدها . قوله : أنه على الحق والعدل وتلخيص الكلام فيه أنه عليه الصلاة والسّلام رتب حكم توكله على اللّه والالتجاء إليه من كيدهم على الوجه المناسب الدال على الغلبة حيث أثبت بقوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [ هود : 56 ] صفة المالكية والقهارية وبقوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] وصف العدل فلكونه مالكا لا يفوته أحد لكونه قاهرا لا يعجزه شيء ولكونه عادلا لا يصنع كل شيء إلا في موضعه فمتى يكون كذلك فمن حق الملتجي أن لا يلجيئ إلا إليه .