اسماعيل بن محمد القونوي

109

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 53 ] قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 53 ) قوله : قالُوا استئناف يبين شدة شكيمتهم وإساءة أدبهم حيث قابلوا الحسنة بالسيئة والنصيحة بالفضيحة . قوله : يا هُودُ هذا النداء من جملة كلماتهم الحمقاء . قوله : ( بحجة تدل على صحة دعواك وهو لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم ) والآية التي زعمت أنها تدل على صحتها ليست بمعتد بها ولذا قال وهو أي نفيهم ذلك لا لعدم علمهم بها بل لفرط عنادهم الخ وعدم اعتدادهم من عطف المعلول على العلة . قوله : ( من المعجزات ) إشارة إلى أن المراد بالبينة الجنس المنتظم للوحدة والكثرة وأنها هي الأدلة العقلية المسماة بالمعجزة . قوله : ( وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا [ هود : 53 ] بتاركي عبادتهم ) ومثل هذا الكلام يفيد القصر وحسن القصر هنا ليس بجلي إلا أن يقال إنه بالقياس إلى المؤمنين منهم التاركين لعبادة آلهتهم . قوله : ( صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي ) جعل المضمن حالا والأكثر المطابق للقياس جعله أصلا والمضمن فيه حالا إذ المضمن هو المقصود إذ صحة ذكر الجار تدور عليه إلا أن المصنف اختار ذلك للتنبيه على أن المضمن فيه وهو الترك هنا محط الفائدة فيكون مقصودا والمضمن فيه قد يكون مقصودا لعارض ولما لم يحمل كلمة عن علي معنى السببية لكونها خلاف الظاهر احتاج إلى التضمين واختار ما اختاره لوجه اقتضاه والاعتراض عليه بأن عن هذه كالتي في قوله : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها [ البقرة : 36 ] للسببية أي وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا [ هود : 53 ] بسبب قولك فهو ظرف لغو متعلق الخ خارج عن البحث لكونه تعيين الطريق وغايته أنه يمكن ذلك فحينئذ لا يحتاج إلى التضمين فإن قيل إن التضمين خلاف الظاهر قلنا إن كون عن بمعنى التعليل والسببية خلاف المعنى المشهور الحقيقي فلا رجحان على أنه لو سلم الرجحان لا يفيد عدم صحة التضمين وقد أشار إلى الوجهين في قوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها [ البقرة : 36 ] وهنا اكتفى بالوجه الواحد وأما قول المعترض أن صادرين إما من صدر صدورا بمعنى وجد ووقع أو من صدر صدرا وكلاهما باطلان فجوابه ما أشار إليه مولانا سعدي من أن صادرين بمعنى معرضين إذ الإعراض لازم للصدور بمعنى الرجوع فيختار أن صادرين من صدر صدورا بمعنى رجع قوله هذا ليس قوله : صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي قال السجاوندي عن تستعمل في معنى الباء حقيقة لا قائما مقامه يقال قال عن يقين وبيقين وسأل به وعنه وقال بعض الفحول الأحسن أن يضمن الترك معنى الصدور هذا مثلها في قوله وما فعلته عن أمري وفي قوله ينهون عن أكل وعن شرب .