اسماعيل بن محمد القونوي
92
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يأتي لا نفس دعائهم إياه انتهى وغرابته لا تخفى فإن ما هو المطلوب منهم من الأخبار قد تم بقوله : أَ غَيْرَ اللَّهِ [ الأنعام : 40 ] على أن المص حمل الاستفهام على التعجب لا بمعنى أخبروني كما أشار إليه بعض المحشيين وإن كان المختار خلافه كما أشرنا هناك . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 41 ] بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 41 ) قوله : ( بل تخصونه بالدعاء كما حكي عنهم في مواضع وتقديم المفعول لإفادة التخصيص ) أشار أولا إلى أن تقديم المفعول للتخصيص ثم صرح به ثانيا دفعا لتوهم أن التخصيص مستفاد من قوله : وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ [ الأنعام : 41 ] والتقديم لرعاية الفاصلة كما حكي عنهم في مواضع منها قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ يونس : 22 ] إلى قوله : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ يونس : 22 ] الآية ونظائره كثيرة والباء داخلة في المقصور أي تتميزونه بالدعاء وما ذكره المص حاصل المعنى وإلا فلا بد من التأويل بأن يقال مفهوم الكون مدعوا لهم حين إصابة الضراء مقصور عليه تعالى فيكون من قبيل قصر الصفة على الموصوف كذا صرح به قدس سره في حاشية المطول في بحث القصر ولا بد من هذا التأويل في كل قصر الفعل على الفاعل أو المفعول ونحوه وإنما احتيج إلى هذا التأويل لأن دعاء المشركين ليس بصفة له تعالى فاحفظ هذا فإنه ينفعك في مواضع شتى . قوله : ( أي ما تدعون ) أشار به إلى أن العائد محذوف . قوله : ( إلى كشفه ) أي المضاف مقدر الدال عليه يكشف . قوله : ( أن يتفضل عليكم ولا يشاء في الآخرة وتتركون ) أي تنسون مجاز لتتركون إذ الترك لازم للنسيان إذ حقيقة النسيان غير متحققة والداعي إلى المجاز المبالغة في الترك كأنه عين النسيان قوله في ذلك الوقت منفهم من السباق وأما في غير هذا الوقت فلم يتركوها . قوله : ( آلهتكم في ذلك الوقت لما ركز في العقول ) أي لأجل مركوزيته تعالى على قوله : كما حكي عنهم في مواضع منها قوله تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً [ الإسراء : 67 ] . قوله : إن شاء أن يتفضل عليكم ولا يشاء في الآخرة لما ثبت بالقواطع أن العفو عن الكفر والشرك لا يقع أن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك قال الإمام هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يجيب الدعاء إن شاء وقد لا يجيبه لأنه تعالى قال فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ثم قال ولقائل أن يقول أن قوله : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] يفيد الجزم بحصول إذ الإجابة فكيف الطريق إلى الجمع بين الآيتين والجواب أن نقول تارة يجزم تعالى بالإجابة وتارة لا يجيب إما بحسب محض المشيئة كما هو قول أصحابنا أو بحسب رعاية المصلحة كما هو قول المعتزلة ولما كان كلا الأمرين حاصلا لا جرم وردت الآيتان على هذين الوجهين .