اسماعيل بن محمد القونوي

7

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الكشاف كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا أو نقله من مكان إلى مكان انتهى وبالجملة فيه اعتبار شيئين وارتباط بينهما وفي الخلق معنى الإيجاد بتقدير وتسوية مثال الأول ما في النظم ومثال الثاني قوله تعالى : جَعَلَكُمْ أَزْواجاً والثالث جعل الماء في الكوز أي نقل من الحوض إليه فعلم منه أن المراد بالتضمين ليس التضمين المصطلح عليه ثم الظاهر أن المراد بيان الفرق بينهما بملاحظة المعنى الأصلي وبالنظر إلى الاستعمال الأكثر وإلا فقد يستعمل خلق في موضع يليق أن يستعمل فيه جعل كقوله تعالى : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ النساء : 1 ] وقد يستعمل أيضا جعل في موضع خلق حتى قيل فالفارق اختصاص خلق بمعنى التقدير دون جعل وأما التضمين كإيجاد شيء من شيء فمشترك بينهما انتهى ( ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمات بالجعل ) . قوله : ( تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما ) بل يقومان بغيرهما ففيه اعتبار شيئين ( كما زعمت الثنوية ) فإنهم قالوا فاعل الخير هو النور وفاعل الشر هو الظلمة وفساده ظاهر لأنهما عرضان فيلزم قدم الجسم كذا في شرح المواقف لكن كلام المص يفهم منه أن الثنوية زاعمون أنهما يقومان بأنفسهما أو يلزمهم ذلك القول وإن لم يلتزموا وعلى كلا التقديرين يخالفه كلام السيد قدس سره . قوله : ( إلى الجنس لكن لا من حيث هو ) بل من حيث تحققه في ضمن الفرد . قوله : ( وجمع الظلمات لكثرة أسبابها ) فلا يحسن القصد فيها إلى الجنس لفوات التنبيه على كثرة أسبابها والاجرام الحاملة إذ ما من جنس من أجناس الاجرام إلا وله ظل وهو الظلمة كذا في الكشاف وفيه مساهلة إذ الظل هو الضوء الحاصل في الجسم من مقابلة المضيء لغيره معنى التضمين كإنشاء شيء اعتبار الشيئين ههنا من شيء ومنه قوله تعالى : وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الأعراف : 189 ] وقال وإنما حسن لفظ الجعل ههنا لأن النور والظلمة لما تعاقبا صارا كأن كل واحد منهما إنما تولد من الآخر قال الراغب جعل لفظ عام في الأفعال كلها وهو أعم من فعل ويتصرف على خمسة أوجه أولها يجري مجرى صار وطفق ولا يتعدى نحو جعل زيد يقول كذا وثانيها يجري مجرى أوجد فيتعدى إلى مفعول واحد قال اللّه تعالى : جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [ النحل : 78 ] وثالثها في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه قال تعالى : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ الشورى : 11 ] ورابعها في تصيير شيء على حالة دون حالة نحو قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً [ غافر : 64 ] و جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [ البقرة : 22 ] وقوله تعالى : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا [ النحل : 81 ] وقال : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] وخامسها الحكم بالشيء على الشيء حقا قال تعالى : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 7 ] أو باطلا وقال تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ [ النحل : 57 ] . قوله : تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما منشأ هذا التنبيه ما دل عليه لفظ جعل من اعتبار شيء في شيء آخر ولما كان النور والظلمة عرضين محتاجين إلى شيء آخر وهو محلهما وما ينشاآن منهم فاشب لهما معنى الجعل وهذا معنى مجوز لاستعمال الجعل فيه ولا بد من مرجح وذلك المرجح يجوز أن يكون ردا على الثنوية القائلين بأن النور والظلمة شيئان قائمان بالذات .