اسماعيل بن محمد القونوي

558

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 181 ] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 181 ) قوله : ( ذكر ذلك بعد ما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين ملحدين عن الحق للدلالة على أنه أيضا خلق للجنة أمة هادين بالحق عادلين بالأمر ) أشار إلى أن الجهة الجامعة بينهما تضاد . قوله : ( واستدل به على صحة الاجماع لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر اللّه ) أي إلى أن تقوم الساعة . قوله : ( إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة فإنه معلوم ) أما على الأول فظاهر لأن النبي عليه السّلام وأصحابه كونهم على الحق لا يخفى على أحد وقيل إنه معلوم من جهة الشرع كما في قوله عليه السّلام خير القرون قرني الحديث وأما على الثاني فلأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل جمع من المحقين في زمان من الأزمنة ثم المستدل وقد قيل إنه مخالف لقوله عليه السّلام لا تقوم الساعة إلا على أشرار الخلق ولا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض اللّه ولذا مرضه المصنف فتأمل انتهى ويمكن أن يقال لعل مراده بكل قرن القرون التي قبل ظهور الأشرار كما يدل عليه الخبر الذي أيده به وما نقله القيل وما تمسك به المستدل متعارضان ظاهرا فيوفق بينهما بمثل ما ذكرنا فلا يكون ما ذكره وجها بل وجهه ما أشير إليه في الكبير من أنه على هذا التقدير يلزم اجماع سائر الأمم مع أن حجة الإجماع مخصوصة بأمة محمد عليه السّلام كما أشير إليه في التوضيح . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 182 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) قوله : ( سنستدنيهم إلى الهلاك قليلا قليلا ) أي سنقربهم بإعطاء النعم المتوافرة المتكاثرة مع إصرارهم على الغي وتكذيب الآيات فيظنون أنها لطف لهم منه تعالى ويحسبون أيضا أن ما عليهم من العدوان والطغيان أحسن حالا فيزدادوا كبرا وطغيانا حتى يأتيهم أمر اللّه صباحا ومساء وعن هذا قيل إذا رأيت اللّه تعالى أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أن ذلك العبد مستدرج . قوله : ( وأصل الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة ) أي الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى النقل درجة بعد درجة من سفل إلى علو فيكون استصعادا أو بالعكس فيكون استنزالا ثم استعير لطلب كل نقل تدريجي من حال إلى حال من الأحوال الملائمة للمنتقل الموافقة لهواه بحيث يزعم أن ذلك لطف ورحمة مع أنه في الحقيقة خذلان ونقمة فالاستدراج هنا مستعار لهذا المعنى ولو قال سنستدنيهم إلى الهلاك بالامهال وإدامة الصحة وتوفير النعمة كما قاله في سورة النون لكان أوضح في بيان الاستعارة لكنه اكتفى بما أشار إليه في آخر كلامه . قوله : ( ما نريد بهم وذلك أن تتواتر عليهم النعم فيظنوا أنها لطف من اللّه بهم فيزدادوا بطرا ) وأما موصوفة أو موصولة وعلى التقديرين في الكلام محذوف والمعنى من حيث لا يعلمون أي شيء نريد بهم بذلك الإحسان .