اسماعيل بن محمد القونوي
554
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم بخلاف الضالين والاقتصار في الإخبار عمن هداه اللّه بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها ) من اللّه تعالى أي بطريق الخلق لكن الأولى الاضلال بدل الضلال قوله الهدى أي الاهتداء كما هو المناسب للضلال أو الهداية كما هو المناسب لقوله وأن الهداية يختص الخ وبالجملة الأوفق للنظم الجليل الاضلال والهداية لاتحاد طريقهم وهو الحق المبين وهو واحد مشترك بين المسلمين . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 179 ] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) قوله : ( ولقد ذرأنا خلقنا ) جملة تذييلية مقررة لما قبله أي وباللّه لقد ذرأنا لجهنم قدم على المفعول به الصريح لطول ذيل المفعول به كثيرا إذ أهل الكفر والطغيان أكثر من أهل الطاعة والإيمان كما ورد في الحديث . قوله : ( يعني المصرين على الكفر في علمه تعالى ) لكن لا يلزمه منه الجبر كما حقق في علم الكلام لأنه تعالى يعلم أنهم لا يصرفون إرادتهم الجزئية نحو الحق حتى قضى بجهنم على ذلك فخلقه تعالى إياهم يترتب عليه ذلك أي صرف اختيارهم إلى الباطل فلام لجهنم لام العاقبة لا لام الغاية كما جنح إليه بعض المتأخرين « 1 » وهو تكلف بل تعسف وغاية خلقهم للعبادة قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] والقول بأن هذا يناسب مذهب المعتزلة من أنه تعالى لا يريد الكفر والشر مرفوع بأن هذا مفروغ عنه في هذا المرام وأدلتنا على أنه تعالى يريد الخير والشر مع عدم رضائه بالشر كثيرة جدا وكأنه زاد قوله في علمه للإشارة إلى أن الاعتبار للخواتم فالشقي من كان في علمه تعالى شقيا وإن كان مؤمنا ظاهرا دهرا طويلا ولم يلتفت إلى وجه التعبير بالماضي ووجه أن الموجود غلب على ما لم يوجد وأن المنتظر جعل كالواقع . قوله : وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم بيان لتعظيم شأن الاهتداء . قوله : لو لم يحصل له غيره لكفاه أقول إن أراد بقوله غيره فعل الخير فهو ليس غير الاهتداء وإلا فذاك ضلال لأن غير الاهتداء ضلال لا محالة فيكون كان يقال ولو لم يحصل له ضلال لكفاه ولا يخفى أنه لا معنى له وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة فإن الهداية هي الدلالة الموصلة إلى المطلوب أو الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب فالاهتداء هو السوق إلى طريق يوصل إلى المطلوب وهذا هو المعنى باستلزام الاهتداء بالنعم الآجلة وبأنه العنوان لها . قوله : يعني المصرين على الكفر معنى كونهم مخلوقين لجهنم أنهم لما كانوا متوغلين في موجبات النار وتمكنوا فيها كانوا كأنهم خلقوا لأجل النار فاللام في لجهنم استعارة تبعية يقال له لام العاقبة كما في قوله : لدوا للموت وابنوا للخراب .
--> ( 1 ) ابن عطيه وتبعه أبو السعود .