اسماعيل بن محمد القونوي

5

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الاستحقاق الذاتي والحمد لصفة من صفاته هو الاستحقاق لإنعامه والأول طرف أعلى ولذا أشير إليه أولا للحث عليه ونبه ثانيا على الطرف الذي يلي الطرف الأعلى والأول مقام الواصلين والثاني مقام السالكين ولا يقال كيف يتصور بتبجيل الذات من حيث هي لأنه في ذات الممكن وأما في ذات الواجب فلا ريب في تصوره للعارفين المستغرقين في لجة التوحيد وكل إناء يترشح بما فيه فالأول مقام العارفين وهم في تعظيم الذات العلية بلا ملاحظة شيء من صفاته وأفعاله مستغرقون فلا حاجة إلى ما قيل قلنا لو وقع ذلك ابتداء قبل التعقل بوجوه الكمال كاف كذلك أما بعد معرفة المحمود بسمات الكمال وتصوره بأقصى صفات الكمال فلا بدح في أن يتوجه في تمجيده وتحميده مرة أخرى بقطع النظر عما سوى الذات بعد الصعود إلى درجات المشاهدات لأن فيه اعترافا بعدم تصور تعظيم الذات بدون ملاحظة الصفات وإن كان آخر كلامه مشعرا بذلك أي إمكان تصور تعظيم الذات بدون ملاحظة شيء آخر لكن يرد عليه أن تعريف الحمد ليس بصادق عليه وأيضا المحمود عليه والمحمود به لا يتحققان حينئذ إذ الذات محمودة والجواب أن الذات العلية لما كان الفعل الجميل صادرا منه تعالى نزلت منزلة الصفات والفعل الجميل في تعريف الحمد أعم من الحقيقي والحكمي كما قالوا في كون الصفات محمودا عليها مع كونها غير اختيارية انها في حكم الاختياري لكونها منشأ لها وينكشف منه أن الذات العلية محمودة من وجه ومحمود عليها من وجه آخر والمحمود عليه والمحمود به قد يكونان متحدين بالذات ومختلفين بالاعتبار ولك أن تقول إن التعريف المشهور لحمد العوام والخواص وما نحن فيه لأخص الخواص وكذا الكلام في المحمود عليه والمحمود به وإن أبيت فارجع هذا إلى نحو ما قاله قدس سره فليتأمل . قوله : ( على هذه النعم الجسام ) الأولى على هذه الإنعامات الجسيمة إذ الحمد كما صرح به العلامة في شرح التلخيص على الإنعام أولا وعلى النعم ثانيا على أن المنبه عليه هو الإنعام صريحا والنعم ضمنا والتزاما . قوله : ( حمد أو لم يحمد ) إذ عدم الحمد لا يضر الاستحقاق بل يضر التارك سورة الأنعام مكية وهي مائة وخمس وستون آية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله : حمد أو لم يحمد معنى الإطلاق مستفاد من قرينة قوله عز وجل : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] يعني نبه على أنه تعالى مستحق للحمد في ذاته على هذه النعم الجسام وهي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور لكن بعض الجهلة لم يعرفوا ذلك فكفروا بمنّ ربهم بهذه النعم لجهلهم أنها منه وهو منعمهم فلذلك لم يحمدوه ولم يشكروا له وعدلوا عن الشكر لمانحها .