اسماعيل بن محمد القونوي

450

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( والمبالغة فيه كرر الموصول واستأنف بالجملتين وأتى بهما اسميتين ) تكرار الموصول يفيد زيادة تقرير الحكم والايذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين والاستئناف يفيد الاهتمام بشأنه وهو يفيد المبالغة في الحكم والإتيان بالاسمية يقتضي تقوي الحكم لدلالتها على الدوام والثبات وأما القصر فمستفاد من تعريف الخبر وضمير الفصل يؤكده ولم يتعرض المص له لظهوره بل حاول التنبيه على المبالغة فيه ووجهها وما هو مقرر لها . قوله : ( قاله تأسفا لهم لشدة حزنه عليهم ) أي بعد هلاكهم وجه صحة خطاب الموتى قد مر في قصة ثمود ويحتمل قبل هلاكهم كما أشار المص في قصة ثمود وإن كان الفاء لا يلائمه . قوله : ( ثم انكر على نفسه فقال ) أي كيف للإنكار الواقعي بمعنى لا ينبغي أن يكون ذلك الإنكار المستفاد من كيف انكار كيفية التأسف وحاله لكن المراد انكار التأسف بطريق الكناية الظاهر فأنكر يدل ثم انكر إذ المتبادر من فاء فكيف آسى التعقيب وإن أمكن حمله على مجرد السببية وإنما اختير المستقبل مع أن الظاهر الماضي لإرادة الاستمرار ولا يبعد أن يكون لحكاية الحال الماضية . الإختصاص كأنه قيل الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في دارهم لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم اللّه الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بالخسران العظيم دون اتباعه فأنهم الرابحون وفي هذا الاستئناف والابتداء وهذا التكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم إلى هنا كلام الكشاف قوله وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص هذا مبني على ما ذهب إليه من أن هذا التركيب قد يفيد الاختصاص بحسب مقتضى المقام كما قال في قوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ [ الرعد : 26 ] في سورة الرعد اللّه وحده يبسط الرزق دون غيره فكذا ههنا قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً [ الأعراف : 92 ] كأن لم يغنوا فيها أفاد معنى القصر كما أفاده قوله اللّه يبسط الرزق وكذا قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 92 ] ففي الثاني قصران مفادان من الابتداء بالموصول ومن كون المبتدأ والخبر معرفتين مع ضمير الفصل بينهما أما وجه إفادة هذا التكرير معنى المبالغة في الرد فإن قوله عز وجل : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ [ الأعراف : 78 ] بالفاء النسبية رد عليهم الخاسرون لأن الفاء يدل على أن تكذيبهم وعنادهم أوجب نزول العذاب بهم واستئصالهم والقول المؤدي إلى العذاب والاستئصال مردود ثم بولغ في هذا الرد بقوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً [ الأعراف : 92 ] كأن لم يغنوا فيها إذ معناه هلكوا ولم يبق شيء من آثارهم كأن لم يقيموا في ديارهم وبقوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 92 ] ولما كان جثومهم هامدين لا حراك بهم ردا عليهم في قوله : ( ذاك كان ) هذه الحالة المؤداة بهذين الاستئنافين مبالغة في الرد لا محالة فإن إفادة هذين الجملتين معنى الرد أبلغ من إفادة الجثوم إياه .